ملتقي المرأة العربية يرحب بكم

الاتصال بنا

من نحن

الصفحة الرئيسية

الدول العربية
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 
الأردن
الأمارات
البحرين
تونس
الجزائر

جزر القمر

جيبوتي
السعودية
السودان
سوريا 
الصومال 
العراق
عمان
فلسطين
قطر
الكويت
لبنان
لبيبا
مصر
المغرب
موريتانيا
اليمن

العنف ضد المرأة المصرية

ظلت مشكلة العنف ضد المرأة لفترة طويلة غير مطروحة للمناقشة والتفسير، إلا أن الكثير من المجتمعات بدأت الآن تثير القضية بشكل واسع في دوائر كثيرة. وأدي ذلك إلى وجود بعض الوعي بأهمية المشكلة وخطورتها وضرورة التصدي لها ومنع وقوعها. وتعد ظاهرة العنف ضد المرأة من أهم الظواهر التى تركز عليها المنظمات المعنية بالمرأة فى مصر والتى تقوم بالعديد من الدراسات للبحث عن أسباب الظاهرة وحجمها ووضع تصورات حول كيفية التصدي لها تشريعيا‏. وقد أوضحت رسالة د‏.‏ إيمان بيبرس للحصول على الدكتوراه والتى كان موضوعها عن العنف ضد المرأة أن‏96%‏ من‏444‏ سيدة قامت بمقابلتهم أثناء إعداد الرسالة تعرضن لمختلف أنواع العنف جسديا‏ ونفسيا‏ وجنسيا‏.‏

وتركز التوصيات بصفة عامة على ضرورة تشديد العقوبات الخاصة بالزنا في القانون الحالي وكيف يمكن صياغتها لتكون أكثر ردعا‏ للحد من انتشار ظاهرة العنف ضد المرأة‏،‏ بالإضافة إلي الحماية الدستورية لحقوق المرأة ودورها في مواجهة العنف الممارس ضدها، والعوامل النفسية والاجتماعية والاقتصادية ودورها في ترسيخ ظاهرة العنف وأهم أساليب مقاومة هذه العوامل‏..‏ وحجم المشكلة وأشكال العنف وأسبابه ودور الأسرة في تأكيد أو منع هذه الظاهرة‏. ومحاولة التعريف بمخاطر هذه الجرائم عبر عقد ندوات للجمعيات الأهلية المعنية فى مصر للتعرف علي سبل التوعية بمخاطرها‏ ومحاولة دراسة وتحليل الأحكام القضائية الصادرة في جرائم الشرف‏، ونظرة المجتمع لها عبر تحليل كيفية تناول الصحف لهذه القضايا وتحليل الواقع الاجتماعي المحيط بها‏

وقد أجرت د. فريال عبد القادر الباحثة بالمركز الديموجرافي المصري دراسة ميدانية أشارت فيها إلى تعرض المرأة المصرية لثلاثة أنوع من العنف هي‏:‏ الختان والزواج المبكر قبل السن القانونية‏، والإيذاء البدني أو الضرب سواء من الزوج أو أسرته. وأكدت الدراسة أن ختان الإناث من أهم القضايا التي شغلت الرأي العام في مصر‏ وهي عادة ترتبط بالتقاليد المصرية القديمة وتتسبب في إصابة الفتاة بصدمة نفسية عصبية‏، وقد كشفت عن أن نحو‏50%‏ من السيدات يؤكدن ضرورة الختان لبناتهن‏،‏ بل إن ‏75%‏ من النساء يؤيدن فكرة الختان‏، خاصة في المناطق الريفية‏، بينما انخفضت بشكل واضح نسبة الختان بالمناطق الحضرية نتيجة الوعي والتعليم‏.  وقد كشفت الدراسة أيضا عن أن أكثر من‏ 60%‏ من عمليات الختان أجراها أشخاص يعملون في المجال الطبي، والنسبة الباقية قامت بها الداية‏، وتتم ‏65%‏ من عمليات الختان بالمنزل‏، ‏والباقي في العيادات الطبية، كما ورد بالأهرام.‏

هذا وتتزايد الدعاوى فى مصر للمطالبة بتنقية التشريعات من النصوص التي تحض علي التمييز ضد المرأة‏..‏ ويزيد الحديث فى هذا الإطار عن جرائم الشرف وما يؤدى إليه الوضع القانونى الحالى من تزايد هذه الجرائم ضد المرأة، والحاجة إلى تغيير القوانين خاصة وان هذا المطلب يعد مطلب للنساء فى دول المنطقة. وتوجد عدة توصيات تقدم فى هذا الشأن تربط بين رؤية المجتمع للمرأة وضرورة تغيير التشريعات، ولعل أهم التوصيات‏:‏ تنقية المناهج التعليمية من الصور التي تحث علي العنف ضد المرأة‏.‏ وضرورة عقد لقاءات مع الإعلاميين حول موضوع جرائم الشرف وسبل تناولها وإثارتها في عدد اكبر من الجمعيات الأهلية بالمحافظات المختلفة‏.‏

من جانب أخر فان أحد صور العنف القائمة فى المجتمع تتمثل فى النظرة الاجتماعية للمرأة المطلقة أو التى هجرها زوجها والتى ينظر لها المجتمع على أنها مذنبة ومنبوذة، فى نفس الوقت الذى تعانى فيها من جراء حالة الطلاق أو الهجر خاصة فى الطبقات الدنيا من المجتمع. وبهذا فان العنف الذى يمارس مادى ومعنوى أو منظور وغير منظور. ولعل الحالة الواضحة الصادمة هى تلك التى استطاعت الممثلة القديرة أمينة رزق نقلها من خلال أحداث فيلم أريد حلا والذى طرح ضمن ثناياه العديد من القضايا سواء ما تعانيه المرأة فى المحكمة ومحاولة استغلالها ونظرة الناس لها ومعاناتها للحصول على الطلاق فى ظل قانون يتيح استخدام الزوج لثغراته بالإضافة إلى السؤال الهام حول المرأة التى تركها زوجها دون سند أو عمل أو فى سن كبيرة وماذا تفعل فى مواجهة المجتمع.

فالمرأة فى هذه الحالة تعانى من قهر الزوج والمجتمع كما تفتقد الأمان وتشعر بأنها وحيدة فى العالم فماذا تفعل؟ وكيف تتصرف إذا كان لديها أطفال مسئولة عنهم؟ وكيف تتصرف إذا تعرضت يوميا للضرب والإهانة على يد زوجها أو أحد أقربائها أو تم استغلالها للعمل للحصول على مال وإنفاقه على المخدرات مثلا.. جميعها أسئلة من واقع الحياة التى نحياها والتى تشير لحالة قد تحتاج فيها المرأة لأقصى مدى لماؤى ومساندة لاستمرار حياتها أو لوقف مسلسل الاستغلال والقهر. هذه الأوضاع هى التى أدت إلى نشأت فكرة مشروع بيت حواء والمشروع عبارة عن دار ضيافة لهذه الفئة من النساء‏. يهدف إلي تقوية قدرات السيدات علي مواجهة مشاكلهن وتمكينهن من تحدي ظروفهن الصعبة من خلال إعادة تأهيلهن نفسيا وحماية أولادهن من الانحراف‏، وبإعطائهن قروضا صغيرة وتعليمهن مهارات جديدة تعينهن علي الحياة الكريمة‏.‏ وقام المركز المصرى للمرأة بالدعوة للمشروع وإقامة ‏بيت حواء في مبني خصصه المستشار عدلي حسين محافظ القليوبية ليضم‏20‏ سيدة في بدء المشروع‏ كمرحلة تهدف لتعميمه فى مصر‏.‏ كما اهتمت منظمات أخرى بإقامة خط ساخن للنساء لمساعدة كل من وقع عليها أي نوع من أنواع العنف على مقاومة هذا العنف وحماية نفسها منه وتمكينها من الاستمرار في الحياة آخذة لحقوقها كاملة.

كما قامت مجموعة من المنظمات المعنية بالمرأة إلى إقامة شبكة لمناهضة العنف ضد المرأة بهدف الحد من ظاهـرة العنف ضد المرأة من خلال توعية جماعات المجتمع المختلفـة بخطورة المشكلة وآثرها على المرأة والأسرة والمجتمع، وتمكين المرأة من مقاومة أساليب العنف التي تمارس نحوها من خلال توعيتها بالقوانين وحقوقها كإنسان، وكذلك بحث ودراسة القوانين الخاصة بالعنف ضد المرأة وآليات تنفيذها وتحديد الثغرات بها ومحاولة تفعيل تلك القوانين أو تعديلها.

وعبر هذه الجهود قامت هذه المنظمات بتبنى مجموعة من القضايا للتركيز عليها وعلى دراسة القوانين الخاصة بها، وخلال هذه السنوات عقدت العديد من الندوات ورفعت العديد من التوصيات حول القوانين الخاصة بالجرائم التالية للعمل عليها:

1.    قضايا الشرف.

2.    قضايا الزنا.

3.    قضايا الاغتصاب.

وذلك بالإضافة إلى قضية الختان التى أصبحت الشغل الشاغل للعديد من المنظمات.

وبشكل عام تهدف الجهود المختلفة من إثارة هذه القضايا إلى تحقيق عدة نتائج لعل أهمها تخفيض حالات العنف ضد المرأة من خلال:

      ·     تمكين المرأة من مقاومة أساليب العنف التي تمارس نحوها من خلال توعيتها بالقوانين وبحقوقها كإنسان.

  ·  الحصول علي المساواة بين الرجل والمرأة في العقوبات الخاصة بقضايا الزنا، الشرف، الاغتصاب والحصول على أحكام رادعة.

      ·     تقوية الآليات الخاصة بمقاومة العنف وتفعيل دورها بحيث تكون رادعة لممارس العنف ضد المرأة .

  ·  الوصول لتعديل العقوبات لتكون رادعة في القوانين التي تخص قضايا الزنا والشرف والاغتصاب للحد من انتشار تلك الأشكال من العنف.

      ·     سرعة البت في تلك القضايا وبالأخص اغتصاب الأطفال.

  ·  توعية جماعات المجتمع المختلفة بخطورة المشكلة وأثرها على المرأة والأسرة والمجتمع وذلك من خلال المدارس أو الندوات العامة لكسبهم كقاعدة شعبية يمكن أن تساعد على استمرارية الشبكة وانتشارها.

      ·     التنويه في بعض أجزاء مناهج وزارة التربية والتعليم حول قضية العنف ضد الطفلة والفتاة.

      ·     تضامن جهود المعنيين والمهتمين والمتأثرين بالظاهرة.

وفيما يلى نتناول الأسس القائمة فى الثقافية الشعبية المصرية والتى تساعد على انتشار العنف ضد المرأة المصرية ليس فى شقه المادى فقط ولكن المعنوى أيضا وكذلك ما يرتبط بهذه الثقافة من تشجيع التمييز السلبى ضد المرأة. ثم نستعرض أهم المجالات التى ينتشر فى مصر كصور واضحة للعنف وتثار فى المجتمع المصرى وهى قضايا الختان وجرائم الشرف وعمالة الطفلة المصرية.

العنف ضد المرأة فى الثقافة الشعبية

يبدأ العنف ضد الطفلة المصرية منذ الولادة عبر ثقافة تفضل الذكر عن البنت "يا مخلفة البنات يا شايلة الهم للممات"، و"لما قالوا دى بنية إتهدت الحيطة عليا"، و"لما قالوا ده ولد اشتد ضهرى واتسند"، و"اكسر للبنت ضلع يطلع لها اتنين"، و"أبني حمال همى وبنتى جلاب همى"، و"الصبى حمال المصايب والبنت بلوه ع الأهل وع القرايب". وهكذا تستقبل البنت فى ثقافتنا الشعبية، ويتعامل الفلكلور الذى هو ترجمة حس البسطاء مع الأنثى. فأول مظاهر العنف ضد الطفلة تنبثق من كونها عبء مقارنة بالذكر الذى يعد إضافة، كونها تابع يتحمل غيرها مسئوليتها وهى رؤية تظلم الحاضر وتصادر على المستقبل ويحكم عليها وفقا للنوع دون انتظار الفعل.

ومن لحظة الميلاد تستمر الفتاة تواجه مجموعة من الأدوار والتصورات التقليدية عنها ولا يغفر لها تفوقها الدراسى ودائما ما تتكرر صيغة المقارنة بين البنت والولد، وإذا تفوقت البنت على الولد فانه بدلا من الفرح قد يأتي تعبير الأهل فى صورة حسرة لان التفوق جاء من نصيب الشخص الخطأ ففى النهاية البنت للجواز أما الولد فهو الذى سيتحمل المسئولية وللأسف فهو غير متفوق.

هذا التمييز الموجود فى الذهنية الجماعية خاصة لدى الأسر الفقيرة هو المشكلة الحقيقية للمرأة لأنه يرسخ هذه التصورات وينتج أحد أمرين إما امرأة مستسلمة للرؤى والأحكام التقليدية تهتم بجمالها وأنوثتها للحصول على "عريس" يثبت نجاحها أمام المجتمع لتبدأ سلسلة أخرى من معايير التقييم المجتمعية ممثلة فى الحمل والإنجاب وعدد الذكور والإناث الذين ستنجبهم. أو ينتج شخصية متمردة تحمل أفكار مختلفة عن سياق المجتمع الذى نشأت فيه وتسعى للتحرر وان يكون لها دور وكيان وتهتم بالتعليم كوسيلة لتحقيق أهدافها وهنا فأنها تعانى من أبعاد أخرى تتمثل فى فشلها وفقا لمعايير المجتمع المحيط الممثلة فى الحصول على عريس أو النظرة السلبية لها بسبب اختلافها عن السياق العام.

كذلك هناك تمييز يمارس ضد البنت منذ البداية حيث يتعامل الأهل بشكل مختلف معها ومع الولد وتنتقل خبرات حياتية مختلفة تجعل الاستجابات مختلفة هى الأخرى. فالبنت لها العروسة وأدوات المطبخ اللعبة، والولد له ألعاب الذكاء والمهارة، والفك والتركيب والمسدسات. وبعدها تأتى المدرسة لترسيخ قيمة التفوق الذكورى، وتؤكد على هذا المفهوم العديد من الدراسات والتى تشير لما تخضع له الفتاة منذ طفولتها لتربية صارمة تتطلب منها الطباع اللينة، والنعومة فى الكلام، وانخفاض الصوت عند الضحك، فى حين تترك للصبى حرية الكلام والقهقهة والتصرف. ويدرب الصبى ليكون شجاعاً قوياً لا يبكى، وتوجه البنت لتكون سلبية متقبلة ضعيفة، وقد بينت الدراسات على سبيل المثال أن الأهل يحاولون استثارة نشاط الصبى وعدوانيته، ويسخرون منه إذا بكى أو خاف، ويتسامحون معه إذا تسلق الأشجار والجدران، فى حين يرفضون أن تكون البنت كثيرة الحركة ومتمتعة بالحيوية والاستقلالية، ويؤنبونها على كثير من التصرفات التى يتسامحون فيها مع الصبى ويحاولون تعديل سلوكها، ويشجعونها لتكون هادئة ومطيعة.

ويتم تدريب البنت بكل إصرار على خدمة ذكور الأسرة بما فيهم أخوتها الأصغر منها. وبالطبع يكون هذا مقدمة لتدريبها على دور الزوجة المطيعة التى لا تسمع ولا ترى ولا تتكلم إلا عندما يسمح لها. وكما يقول المثل العربى: "تلاته بيطولوا العمر: الدار الوسيعة، والفرس السريعة، والمرأة المطيعة"، وأيضا يشمل هذا التدريب المبكر للطفلة على دورها المستقبلى إجبارها على ترك اللعب بل والدراسة فى بعض الأحيان وذلك للتفرغ لمساعدة الأم فى الأعمال المنزلية، فى حين يحصل الولد على وقت أكبر للتركيز واللعب وينطلق خارج المنزل إلى العالم الخارجى الذى ينمى قدراته. بل ويمتد التمييز إلى طريقة العقاب، تقول الباحثة أميرة بهى الدين: "عندما تعاقب الأسرة صغارها تميز فى ذلك بين الصغير والصغيرة سواء، من حيث سبب العقاب، أو من حيث جسامة العقاب وتكراره، فالصغيرة تلازم أمها فى المنزل فتفجر الأم فيها كل إرهاقها وآلامها الدفينة بسبب مشاكلها الأسرية الخاصة، بخلاف الصبى الذى يكون خارج المنزل يدرس أو يلهو أو يعمل، فالأم لا تقسو على ابنها الذكر سواء لإعجابها الدفين برجولته المبكرة، أو لأنها تخشى فراره منها إن هى قست عليه. فى حين تتوقع من الفتاة الطاعة والتفانى وإنكار الذات. إنه العنف المنظم المعوق للفتيات القاتل لاستقلاليتهن والمهدر لطاقتهن الإبداعية.

وفى دراسة هامة للدكتورة إقبال السمالوطى عن أنواع ودوافع العنف ضد المرأة والطفل حاولت تصنيف أنواع ذلك العنف من أربعة مداخل أو وجهات نظر:

1. من حيث القائمين: والمدهش أن المرأة نتيجة تزييف الوعى المزمن على مدى تلك السنوات تمارس أحيانا عنفاً ضد بنات جنسها فمثلاً فى حالة الختان تجر الأم بنتها بعنف لكى تختتن لأنها ترى أن فى ذلك صالح ابنتها ومصدر عفتها وشرفها.

2. من حيث نوعية العنف: هناك عنف جسدى أو مادى بالضرب والاغتصاب وهناك عنف معنوى بالسب والإهانة والتجريح والسخرية.

3. من حيث مدى شموله: عنف فردى يتم نتيجة لترويج فكر جماعة عقائدية معينة تحمل احتقارا شديداً للمرأة وتلبس هذا الاحتقار وتسبغ عليه رداءاً فكرياً عقائدياً مكذوباً.

4. من حيث الدافع للعنف: هناك عدة دوافع للعنف منها الإحباط كوسيلة لدفع الفشل، أو الحرمان سواء مادى أو معنوى كوسيلة تعويض، وقد يكون الدافع للعنف هو إظهار الرجولة أو الرغبة فى الانتقام من الذات.

وبالنسبة لوسائل الإعلام فهى جزء من المشكلة وليس العكس، وبدلا من تبنى سياسة واضحة تتماشى مع الدعوة لتمكين المرأة وتفعيل دورها لازالت هذه الوسائل تركز على النظرة التقليدية للمرأة. وتقدم وسائل الإعلام المرأة على أنها مخلوق يعيش فى عالم الأحلام، وشخصية سلبية مترددة تفتقد إلى أدنى درجات التفكير العقلانى لا هم لها إلا البحث عن الرجل وضله كونه السند والضمان فى تبنى لرؤية المرأة المخلوق الناقص الذى لا يكتسب أهميته أو امانه المادى والمعنوى بدون الرجل، وليس لها أهمية إلا فى ظل وجود الرجل كزوج ودورها كأم. وهناك العديد من النماذج المتكررة لهذه الصورة كما حدث فى مسلسل "الحاج متولى" الذى تفانت كافة النساء فى محاولة إرضاؤه. وفى دراسة للدكتورة عواطف عبد الرحمن نشرت لها عام 2000 أكدت أن 80% من برامج المرأة فى التلفزيون تتناول فن الطهى والحياكة والموضة وتربية الأطفال وفن الديكور، وكأن هذه المسائل هى قضية المرأة الأساسية وزادها اليومى. بما يثبت أن التعامل مع المرأة لازال كدمية وموديل ومادة للمتعة.

ويعد العنف المنزلي مشكلة رئيسية في مصر وقد فتحت "وزارة الشؤون الاجتماعية والتأمينات" 150 مكتب إرشاد وعلاج نفسي لمساعد ة ضحايا العنف المنزلي. ولكن هل يقتصر العنف داخل الأسرة ضد الطفلة المصرية "كطفلة" أنثى على الضرب فقط؟ والإجابة للأسف لا حيث تتعدد صور العنف عبر التمييز السلبى ضدها سواء فى المعاملة أو فرص التعليم أو الاهتمام بالصحة فمن أبرز مظاهر العنف ضد الطفلة الأنثى التمييز فى التغذية والعناية الصحية، فبرغم الجهد الملموس للدولة فى رعاية الطفل الصحية سواء فى توفير التطعيمات والأمصال أو فى توفير محاليل الجفاف والأدوية وتعميم التأمين الصحى، إلا أن التمييز الاجتماعى قد أصاب الطفلة الأنثى بالضرر الصحى من ناحية سوء التغذية أو إهمال الرعاية الصحية السليمة. حيث تحرص الكثير من الأمهات على إرضاع الأبناء الذكور لفترة أطول من تلك التى تخصص للبنات. وفى معظم الأحيان تحرصن على تقديم لحوم أكثر للصبى عن أخته وتتلهفن على الذهاب للطبيب بالولد أسرع من البنت.

وتظهر كافة التقارير العربية أن نسبة وفيات البنات فى السنوات الأولى أعلى من نسبة وفيات الذكور، والأنيميا نسبتها أعلى فى الإناث عن الذكور. وفى دراسة لليونيسيف على المنطقة العربية 1995 اتضح أن نسبة البنات اللواتى يعانين من الأنيميا تزيد 2.3% عن البنين، كما وجد أن 25% من الفتيات فى سن المراهقة يعانين من نقص نسبة الحديد، فضلاً عن زيادة نسبة التقزم، ونقص البروتين نتيجة لممارسات التغذية المتحيزة للبنين.

وفى دراسة أجراها عادل سلطان وناهد رمزى على إحدى القرى المصرية وقدماها لجمعية التنمية الصحية والبيئية 1999، ذكرا أنه عند توزيع الطعام داخل الأسرة أثناء شهر رمضان وعيدى الفطر والأضحى يحصل الأب على 32% من إجمالي الطاقة الغذائية التى تستهلكها الأسرة، فى حين تحصل الأم على28.8% من هذه الطاقة كما يحصل الأب على 32.9% من إجمالي عنصر الحديد فى غذاء الأسرة، بينما لا تحصل الأم سوى على 29.1% من هذا العنصر. وتوجد دراسات أخرى تشير إلى أن معدل انتشار الأنيميا بلغ 22.1% بين الحوامل و25.3% بين النساء المرضعات.

أولا: ختان الإناث

ينفرد موضوع الختان بالاهتمام الأكبر من ضمن القضايا المثارة والخاصة بالعنف ضد المرأة المصرية. وهناك العديد من الجهود المبذولة لوقف الممارسات الخاصة به خاصة فى ظل عدم وجود سند دينى أو صحى.. يؤيد ممارسة الختان ضد المرأة.

إلا أن المشكلة الأساسية التى تواجه الجهود الخاصة بالختان والسعى للقضاء عليه تتمثل بالأساس فى اصطدامه مع التقاليد التى حولته لدرجة من درجات الإلزام والضرورة إلى جانب إكسابه عبر الزمن صفة دينية غير حقيقية ولكنها أصبحت ملزمة للعقل الشعبى المصرى بشكل يدفع الكثير من الحالات إلى ختان الفتيات فى أي مرحلة عمريه أن لم يتم هذا فى الصغر واصبح لزاما القيام به فى الكثير من الحالات قبل الزواج.

وبهذا فان الختان كقضية يمثل تحدى للمجتمع المدنى والجهود الرسمية مجتمعة كونه نموذج لقضية تصطبغ بالبعد الثقافى والدينى وفقا للنسق الشعبى المصرى، ويحظى بالكثير من الاهتمام إلا انه لا زال تحدى كبير خاصة مع ما آثاره سواء من الناحية الدينية أو القانونية من جدل واسع جدا بين جميع الأوساط ما بين مؤيد لعملية ختان الإناث وبين معارض لها.

وتركز عملية مناهضة الختان على أسلوب العمل فى الحقل المعنى عبر محاولة الوصول للجماعات المستهدفة فى المجتمع والتى تلتزم بإجراء عملية الختان. والسعى لإقامة ورش عمل فى هذه المناطق تركز على إظهار أضرار الختان من الناحية الصحية والجنسية إلى جانب إظهار عدم ضرورته دينيا. كما اتبعت بعض المنظمات أسلوب إبراز النماذج الإيجابية فى المجتمع فيما يخص القضية المثارة وفى هذه الحالة يتم إبراز حالات لأشخاص من داخل المجتمع نفسه رفضوا بمحض أرادتهم إجراء عملية الختان لبناتهم. بالإضافة إلى الأشخاص المعنيين بإجراء الختان كالطبيب والممرضة والداية الذين رفضوا أو توقفوا عن إجراء عملية الختان للإناث، إلى جانب رجال الدين الذين يعلنون رفضهم لإجراء ختان الإناث وان ظلت المشكلة قائمة فى بعدها المجتمعى الخاص بالقدرة على مواجهة المجتمع برؤية مخالفة لقناعاته فالختان مثله مثل مجمل القضايا الخاصة بالمرأة فى مصر يصطدم بجدار المجتمع بمفهومه الشامل الذى يتضمن التقاليد والعادات والدين فى سياقه الشعبى والممارسات الموروثة.. وغيرها من الأمور التى تحولت إلى "ثوابت" فى المجتمع عبر تكرارها المستمر وهنا يصبح التحدى فى الخروج عن هذه "الثوابت" واختراقها، والقدرة على مواجهة رفض المجتمع والشعور بان المخالف خارج السياق.

ولعل أحد التجارب الهامة فى التعامل مع مسألة الختان بهذه الرؤية الخاصة بالاقتراب من المجتمع واختيار النماذج الإيجابية كانت التجربة التى نفذتها مؤسسة قضايا المرأة بالتعاون مع مركز التنمية والنشاطات السكانية "سيدبا" فى منطقة بولاق الدكرور. حيث تم قامة ورش عمل للجمعيات النشطة في بولاق الدكرور وأرض اللواء وذلك لإثارة وعى كوادر الجمعيات الأهلية والمستفيدين منها بأضرار ختان الإناث باستخدام النماذج الإيجابية فتم إجراء عدد 4 ورش عمل ترتيبها تضمنت ورشة عمل لكوادر الجمعية الخيرية الإسلامية، وورشة عمل للمستفيدين من الجمعية الخيرية الإسلامية، وورشة عمل لكوادر جمعية سيدات المعتمدية، وورشة عمل للمستفيدات من جمعية سيدات المعتمدية.

وللتعرف على وجهة نظر الأسرة المصرية وتناولها لقضية ختان الإناث أجري المركز دراسة ميدانية عن طريق اختيار 10 شوارع في منطقة بولاق الدكرور واختيار حوالي 130 أسرة، وكان يتعمد أن تكون لدي الأسر بنات في سن الختان وذلك لنتوجه إليهم في المرحلة التالية وهي رفع التوعية عن طريق النماذج الإيجابية والزيارات المنزلية. وتم اختيار عينة عشوائية من مائة سيدة وفتاة من اللواتي حضروا الأربع ورش ووفقا للحالة الاجتماعية للعينة فان النسبة الأكبر 52% كانت من الآنسات، يليها نسبة 44% متزوجات، و3% مطلقات و1% أرامل. وفى هذه العينة أعرب 63% عن تأييدهم لعملية الختان مقابل معارضة 32% وعدم تحديد 5% لآرائهم وهى مسالة توضح حجم الجهد المطلوب سواء لاكتساب غير المحددين لمواقفهم أو لتغيير آراء المؤيدين وهى المسالة الأكثر صعوبة ليس فقط لكونهم الأغلبية ولكن بالنظر للأسس التى يستندوا لها فى تبرير تأييدهم.

أما النقطة الهامة فتتمثل فيما تم التوصل إليه بالنسبة للمسئول عن قرار الختان حيث وجد أن القرار بيد الأم بنسبة 76% يليها الجدة 15% ثم الأب بنسبة 6% ورغم أن هذه النتائج تشير إلى انه قرار نسائي بالأساس وبنسبة تصل إلى 91% إلا أنها تؤكد أيضا على النظرة المجتمعية للمسالة والتى تجعل الأب يبادر فى بعض الأحيان حتى لو لم تدفع الأم للقيام بالختان. وهو الأمر الذى يمكن فهمه من خلال تفسير الأسباب التى تدفع لاستمرار القيام بالختان حيث رأت النسبة الأكبر 68% انه مطلوب دينيا ويمنع الانحراف وبالتالى تم دمج الدين بالأخلاق بشكل لا يمكن من معارضته بسهولة فى سياق اجتماعى معين.

وتمثل المرحلة العمريه من 7 سنوات إلى اقل من 10 سنوات المرحلة الأساسية التى تتركز فيها عمليات الختان وهى مرحلة لا تملك فيها الفتاة ابدأ أي رأى فيما يتعلق بأي أمر من أمورها كجزء من سياق حياتها العام وهو الأمر الذى يحتاج لمزيد من الاهتمام فى الحوار مع المسئولين عن اتخاذ القرار مع محاولة الوصول للفتيات التى لم يتم ختانهم بعد على أساس محاولة إقناعهم وأسرهم.

أما أفضل الطرق التي اقترحتها العينة لمنع الختان فقد ركزت بالأساس على دور المجتمع المدنى عبر دعوة 59% من العينة المجتمع المدنى لتبنى الموضوع بجدية وفى هذا السياق أكد 53% على أهمية الزيارات الميدانية. كذلك تم التركيز على دور وسائل الأعلام وضرورة طرح الموضوع عبر المسلسلات الدرامية وأيد هذا الاقتراح 49% من العينة كما طالب 34% بضرورة إدراج الموضوع فى الكتب المدرسية وهو ما يعبر بدوره على أحد الإشكاليات القائمة فى السكوت عن تناول العديد من القضايا فى مجالات الدراسة وكأنها من قبيل "العيب".

ولعل أحد جوانب المشكلة الأساسية تتمثل فى افتقاد الاشتراطات الطبية اللازمة للقيام بهذه العمليات فالنسبة الأكبر والتى تمثل 47.5% يقوم بها الأطباء ثم الداية 40% ثم حلاق الصحة بنسبة 9.5% وهو ما يعنى أن نسبة الأساليب التقليدية غير المضمونة تصل إلى 49.5% بالإضافة إلى أن العديد من الأطباء يقومون بهذه العماليات بعيدا عن الأعين وبالتالى فى غياب التحضيرات اللازمة للعملية بما يؤدى للعديد من المخاطر الصحية. إلا أن جزء من المسالة قد يمثل بعد أيحابى على أساس إمكانية مخاطبة الأطباء ووجود ما يخشون عليه كسمعتهم الطبية وتقديرهم فى الوسط الطبى.

كما تم تأسيس شبكة من الجمعيات الأهلية لمناهضة ختان الإناث والزواج المبكر بمبادرة من المركز المصري لحقوق المرأة برئاسة المحامية نهاد أبو القمصان في إطار برنامج شرق أفريقيا للأميات الأربع وهي الأمية الصحية والمدنية والاقتصادية والكتابية والذي يهدف إلي دعم الجمعيات العاملة في مجال الختان والزواج المبكر‏..‏ وتبادل المعلومات‏‏ والخبرات وإعداد كوادر شابة مدربة لمواجهة المشكلات التي تنتج من الزواج المبكر والمضاعفات المترتبة عليه كذلك ختان الإناث والآثار النفسية والصحية والجسدية التي تتعرض لها الفتيات خصوصا في الريف‏.‏ ويفترض وفقا للشبكة أن يتم عقد لقاء شهري تشارك فيه نخبة مميزة من النساء والرجال المهتمين بقضايا المرأة لدراسة المشاكل التي تواجه تلك الجمعيات وإعداد جهاز لتدريب العاملين في هذا المجال ونشر الوعي لمحاربة هاتين الظاهرتين وإصدار نشرة دورية تشرح الإنجازات وتقييم الأداء‏.‏

بشكل عام فان محاربة الختان تمثل تحدى أساسي ليس لمصر وحدها ولكن لكل الدول التى يتواجد بها كونه يرتبط بمنظومة من الأسانيد المجتمعية والثقافية والدينية.. ومن جانبها ناشدت منظمة العفو الدولية الدول الأفريقية بمناسبة "يوم الامتناع عن ممارسة الختان"، حظر ختان الإناث لحماية مليوني فتاة مهددات بالختان كل عام. وأضافت المنظمة أن ختان الإناث لا يزال يمارس في 28 دولة أفريقية إلى جانب إندونيسيا واليمن، وانه اصبح شائعاً في أوروبا واستراليا وأمريكا الشمالية بين المهاجرين من تلك الدول. ولم تحظر سوى 14 دولة أفريقية هذه الممارسة التي يجريها أحيانا طبيب، وفي المجتمعات الأكثر ريفية يجريها أحد الأقارب أو المعالج التقليدي. وتقول حكومات كثيرة تسمح بختان الإناث أن الحظر سيؤدي ببساطة إلى ممارسة الختان سراً مما يعرض الفتيات لخطر اكبر.

كما أصدرت وزارة الخارجية السويدية تقرير أشارت فيه إلى وجود قرابة 130 مليون طفلة وامرأة تعتبر أعضاؤهن التناسلية مشوهة، وان العديد يزيد بعدل مليوني فتاة سنويا بما يعد انتهاكاً لحقوق المرأة، ويؤدي إلى الكثير من المعاناة النفسية ولا توجد ديانة في العالم تؤيد القيام بمثل هذا التشويه.

الانتقال إلي الصفحة التالية