ملتقي المرأة العربية يرحب بكم

الاتصال بنا

من نحن

الصفحة الرئيسية

الدول العربية
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 
الأردن
الأمارات
البحرين
تونس
الجزائر
جزر القمر
جيبوتي
السعودية
السودان
سوريا
الصومال
العراق
عمان
فلسطين
قطر
الكويت
لبنان
لبيبا
مصر
المغرب
موريتانيا
اليمن
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 
 

                                  الفصل الثاني

                                       الخلع

المادة (111):
إذا اختلف الزوجان، وظن كل واحد منهما بنفسه أنه لا يقيم لصاحبه ما تقتضيه الزوجية من حقوق والتزامات مادية وأدبية، فقد شرع للزوجة أن تفتدي نفسها من عصمة زوجها بعوض تبذله له ويخلعها به، ولا حرج عليها فيما أعطت، ولا حرج عليه أن يأخذ، قال تعالى: ولا يحل لكم أن تأخذوا مما أتيتموهن شيئًا ألا أن يخافا ألا يقيما حدود الله، فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به، فسمي في الله الخلع افتداء، والافتداء يحتاج إلى تراضٍ بين الطرفين، فالخلع طلاق يقوم على أساس تعاقدي، وبسبب العوض الذي تبذله المرأة لتخليص نفسها من العصمة يقع به الطلاق البائن، فلا يستطيع الرجل مراجعتها، ولا تعود إليه إلا في زواج جديد بجميع شرائطه.
وكون الخلع طلاقًا بائنًا هو مذهب جمهور العلماء، ومنهم: عمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن علي، وبه قال أبو حنيفة، وأصحابه، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والقاسمية، وأبن أبي ليلى، والشافعي في قوله الجديد.
ولا يختص الخلع بلفظ معين، وقواعد الفقه وأصوله تقضي بأن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها، ولا صورها وألفاظها، ولهذا أخذ المشروع بأن الخلع هو الطلاق نظير عوض، ليتناول المبارأة، والطلاق على مال، ويقول القاضي أحمد وغيره: أن المبارئة، والمختلعة، والمفتدية، والمصالحة هي ألفاظ تعود إلى معنى واحد.
وترتيبًا على ذلك، وعلى ما تقدم بالمادة السابقة، فإن الخلع لا يعتبر خلعًا بأي لفظ وقع إلا إذا وقع باتفاق الطرفين على عوض، وإذا استعمل الزوج لفظ الخلع أو ما في معناه بإرادته المنفردة دون اتفاق مع زوجته على عوض من جانبها، فإنه يعتبر طلاقًا مجردًا، ولا يقع به إلا الطلاق الرجعي وفق المادة السابقة.


المادة (112):
لما كان الخلع طلاقًا على عوض، فإنه يشترط لصحته توافر جميع الشرائط الشرعية المقررة لإيقاع الطلاق حسب الفصل السابق، فيملك الزوج أو الزوجة التصرفات التي تترتب على الطلاق نظير عوض من آثار مالية وغيرها، وإن لم يبلغ أحدهما سن الرشد المالي.


المادة (113):
يذهب الحنفية في تكييف الخلع إلى أنه من جانب الزوج يمين، ومن جانب الزوجة معاوضة فيها شبه التبرع، فهو يقصد تعليق طلاقها على قبولها إعطاءه العوض، والتعليق يمين، وهي تبذل العوض لتفدي نفسها منه ورتبوا على ذلك أن الزوج إذا ابتدأ بالخلع لم يملك الرجوع عن إيجابه قبل قبولها، لأن اليمين تلزمه بمجرد صدورها، أما الزوجة فلها أن ترجع عن إيجابها قبل قبولها كسائر المعارضات.
وقد أخذ بعدم صحة تعليق الطلاق، فتعين تطبيق حكم المعاوضات في الإيجاب والقبول بالنسبة إلى الزوجين، فيكون للزوج أيضًا حق الرجوع عن الإيجاب قبل قبول الزوجة.
هذا – وجواز الرجوع في الإيجاب قبل القبول، لكل من الرجل والمرأة، وقد نص عليه الحنابلة، كما جاء في فقه الزيدية بإطلاق القول بجواز الرجوع من الموجب قبل القبول.


المادة (114):
يصح بدل الخلع من كل ما جاز أن يكون مهرًا، وهو ما صح التزامه شرعًا، وليست له نهاية صغرى، ولا حد لأعلاه، فتلزم به الزوجة بالغًا ما بلغ، لأنها التزمته برضاها في مقابل إسقاط حق الزوج ومن أدلة ذلك قوله تعالى: ولا جناح عليهما فيما افتدت به. وجواز الخلع بأكثر مما أعطاها الزوج هو مذهب الجمهور، فقد قال به مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهم، وأبو ثور، وروي عن عمر، وعثمان، وابن عمر، وقبيصة، والنخعي.


المادة (115):
يرى أبو حنيفة أن الخلع والمبارأة يسقطان كل حق لأحد الزوجين على الآخر مما يتعلق بالزواج الذي تم الخلع منه، كالمهر والنفقة المفروضة المتجمدة، وإن لم ينص في العقد على سقوط ذلك، فاعتبر السقوط هنا تبعيًا.
وذهب المالكية، والشافعية ومحمد بن الحسن من الحنفية إلى أن الخلع لا يسقط إلا ما اتفق عليه، سواء أكان بلفظ المخالعة أم المبارأة، مثل الطلاق على مال، لأن أثر المعاوضة ليس إلا في وجوب المسمى لا في إسقاط غيره، وقد ثبتت الحقوق المالية بالزواج الصحيح، فلا تسقط بمجرد ألفاظ تحتمل الإسقاط كالخلع، لأن الثابت بيقين لا يزول بالشك، وجاء في الفتاوى الصغرى: الخلع عقد معاوضة، فلا يزداد على ما تراضيا عليه، واللفظ وإن كان ينبئ عن الفصل فالفصل وجد على مقدار رضيا به، فكيف يسقط غيره.
وقد رأت اللجنة أن هذا الرأي يجري عليه العمل، وهو أعدل وأجرى مع النظر القانوني، فأخذت به.


المادة (116):
بعض الرجال يتنكبون عن حسن العشرة وكرم الصحبة حتى تفتدي زوجاتهم أنفسهن، وعلاج هذا الأمر إنما يكون بإمضاء الخلع عليهم طلقة بائنة، وبإلزامهم رد العوض المالي، وبإسقاط ما التزمته المرأة مثل رضاع ولدها، أو نفقة حملها، وهنا عنى المالكية ببيان أمرين:
أولهما: أن الضرر هو الذي تطلق به الزوجة مما لا يجوز شرعًا.
وثانيهما: تيسير إثباته، فتقبل فيه شهادة السماع من الثقات أو غيرهم ممن لا تقبل شهادتهم، كالخدم ونحوهم، كما يكفي فيه شاهد واحد ويمينها، أو شهادة امرأتين ويمينها، وإن بينتها تقبل ولو كان الزوج أشهد أنها خالعته عن ضرر، وأسقطت هي البينة الشاهدة لها بالضرر، فإنه لا يلزمها ذلك الإشهاد، والإسقاط، وتقوم ببينتها.
قال مالك رحمه الله: لم أزل اسمع ذلك من أهل العلم وهو الأمر المجتمع عليه عندنا، وهو أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة، ولم يسيء إليها، ولم تؤمن من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة ثابت بن قيس، وإن كان النشوز من قبله بأن يضيق عليها ويضرها، رد عليها ما أخذ منها .
وجاء في الفواكه الدواني على الرسالة أن للمرأة أن تفتدي من زوجها بصداقها أو أكثر إذا لم يكن الافتداء ناشئًا عن ضرر بها غير شرعي، فإن كان مسببًا عن ضرر أوقعه بها فلا يفوز به، ورجعت عليه بما أعطته له، ولزمه الخلع بعد إثباتها الضرر، قال خليل: ورد المال بشهادة سماع على الضرر ولا يشترط في هذا السماع كونه من الثقات وحدهم، بل لو ذكرت البينة أنها سمعت ممن لا تقل شهادته كالخدم ونحوهم عمل بشهادتهما، أو امرأتين، ورد المال بيمينها مع شاهد أو امرأتين، ولا يضرها إسقاط بينة الضرر.


المادة (117):
بينت هذه المادة أحكام الخلع على أجرة رضاع الولد أو حضانته، أو الإنفاق عليه، فيصح أن يكون بدل الخلع أو بعضه أن ترضع الأم المخالعة طفلها بلا أجر، أو تحضنه كذلك، أو تنفق عليه مدة معلومة، لأن الرضاعة والحضانة من المنافع المتقومة التي يستحق في مقابلها المال، والجهالة في مقدار النفقة يسيرة، فتتحمل في المخالعة وقد رضيت الأم بتحمل عبء مالي كان يلزم الأب فلا مانع شرعًا من ذلك، فتلزم هي به.
فإذا تركت الولد، جاز للأب أن يرجع بما يعادل أجر الرضاعة أو الحضانة أو النفقة عن المدة الباقية من حين الترك إلا إذا كلنا قد اتفقا على أنها لا تلتزم بشيء في هذا الحال.
وإذا كانت معسرة وقت المخالعة على الإنفاق، أو أعسرت فيما بعد، ولا مال للصغير، فطالبت الأب بالإنفاق عليه، فإنه يجبر على ذلك، ثم يرجع عليها بعد يسارها بما أنفق، لأنه لم يمكن تنفيذ ما التزمته الأم، والنفقة حق الولد، وهي في الأصل على أبيه، فيجبر عليها صيانة للولد، ما دامت الأم معسرة، إذ لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها.
فإن كان للصغير مال فنفقته حينئذ في ماله، كما سيأتي في نفقة الأقارب، ولا يجبر الأب على الإنفاق.


المادة (118):
إذ تخالعا على إمساك الولد عند أبيه في مدة الحضانة صحت المخالعة وبطل الشرط، لأن بقاءه عند الأم حق للصغير أيضًا، فلها أن تأخذه، وعلى أبيه نفقته، وأجرة حضانته إن كان الولد فقيرًا، قال المفتي أبو السعود: لها الرجوع بأخذ الولد، فإن أقوى الحقين في الحضانة للصغير، ولئن أسقطت الزوجة حقها فلا تقدر على إسقاط حق الصغير أبدً.
والمراد بالإمساك في هذه المادة هو مجرد حق ضم الولد والاحتفاظ به، لا الإنفاق عليه، لأن شرط الإنفاق يعمل فيه باتفاق الأبوين المخالعين، فهو مسألة مالية محضة، لا مانع من تنفيذ اتفاقهما فيها، لأنها لا تمس حقوق الولد ومصلحته.


المادة (119):
خلع المريضة مرض الموت صحيح يقع به الطلاق البائن، ويثبت به العوض إلا أنه لا ينفذ إلا من ثلث مالها عند عدم إجازة الورثة، لأنه تبرع، والتبرع في مرض الموت وصية.
والعوض المتفق عليه في الخلع لا يكون هو الواجب في كل حال، فإن ماتت الزوجة وهي في العدة، فليس للزوج عند الحنفية، سوى الأقل من أمور ثلاثة: مقدار نصيبه في الميراث والعوض وثلث المال.
وذلك لأنه يحتمل أن يكون الزوجان متفقين على الخلع في مرض الموت، ليحصل الزوج من مال زوجته أكثر مما يستحق من الميراث، فمعاملة للزوجين بنقيض مقصودهما كان للزوج الأقل من الأمور الثلاثة.
وإن ماتت الزوجة بعد انتهاء العدة، أو كان الخلع قبل الدخول، حيث لا عدة، فللزوج الأقل من الأمرين: العوض، وثلث المال، ولا يلتفت إلى نصيبه هنا في الميراث، لأنه بعد العدة، أو حيث لا تكون عدة.
ومصدر هذه المادة مذهب الحنفية.

الباب الثالث: الفرقة بالقضاء
الفصل الأول: التطليق لعدم الإنفاق:
المادة (120):
يرى جمهور العلماء تطليق الزوجة على زوجها لعدم إنفاقه عليها، ولهم أدلتهم من الكتاب، والسنة، والقياس، وممن جاء عنهم ذلك من الصحابة فمن بعدهم: عمر، وعلي، وأبو هريرة، وابن السيب، والحسن البصري، وعمر بن عبد العزيز، وربيعة، وهماد، ومالك، والشافعي، وأحمد، ويحيى، وإسحق، وأبو عبيد، وأبو ثور.
وقد أفادت هذه المادة أن الزوج الممتنع عن الإنفاق بغير حق إذا كان له مال ظاهر يمكن تنفيذ النفقة فيه لم يجز لزوجته أن تطلب تطليقها عليه، سواء أكان حاضرًا أم غائبًا، لأن حصولها على نفقتها ممكن، وبالتنفيذ يندفع ما وقع عليها من ظلم.
فإذا كان الزوج حاضرًا، وليس له مال ظاهر، ولم يثبت إعساره، طلق عليه القاضي في الحال، فإن أثبت إعساره، أو كان غائبًا في مكان معلوم، أمهله القاضي مدة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، ليؤدي نفقتها منذ رفع الدعوى، فإن لم ينفق، ولم يحضر نفقة هذه المدة في نهايتها طلق عليه القاضي.
وفقه مالك يجري على التلوم والانتظار للمعسر باجتهاد القاضي، وأن يضرب القاضي الأجل للغائب حسب تقديره. وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه قال: أضربوا له شهرًا أو شهرين . والشافعي في أحد قوليه يوجب تأجيل المعسر ثلاثة أيام. ويرى حماد بن أبي سليمان تأجيله سنة، وقد اختير الحد الوسط، وهو المدة المبينة في المادة، وأضيفت مدد المسافات إلى فترة الأجل، تحقيقًا للمساواة بين الخصوم.
وروعي أن الزوجة من يوم رفع الدعوى تستحق نفقة حاضرة، فلا أقل من أن تتسلم نفقتها منذ هذا اليوم، ولا تضار بطول الإجراءات.
والغائب في مكان مجهول، والمفقود يتعذر أعذارهما، وإمهالهما لا ينتج غير أضرار الزوجة، فيطلق عليهما بلا إمهال.
أما المحبوس فهو معلوم المحل، كالزوج الغائب في مكان معلوم، فلا يطلق عليه إلا بعد الأعذار، وضرب الأجل.


المادة (121):
التطليق لعدم الإنفاق يقع رجعيًا، إلا أن يوجد سبب آخر للبينونة، مثل أن يكون طلاقًا ثالثًا، أو قبل الدخول، وهذا فقه المالكية المتبع الآن، ومن المقرر فيه أن الزوج إنما يملك الرجعة إذا وجد في العدة يسارًا، فإن لم يجد فلا رجعة له، وفي تحديد اليسار روعي ما صرح به ابن عبد السلام، بأن يكون بحيث يظن أنه يقدر على مداومة نفقة مثلها في المستقبل، وطلاق القاضي كان لضرر الفقر، فلا يمكن الزوج من الرجعة إلا إذا زال موجب الطلقة، وهو الإعسار.


المادة (122):
إذا تكرر من الزوج الامتناع عن الإنفاق على زوجته ثلاث مرات فأكثر، ورفعت الأمر إلى القاضي، طالبة الطلاق لعدم الإنفاق، فتوقى الزوج الطلاق بدفع النفقة الحاضرة، يكون مضرًا، فإذا طلبت الزوجة التطليق للضرر في هذه الحالة، طلقها القاضي عليه طلقة بائنة.
الفصل الثاني: التطليق للإيلاء:
المواد (123، 124، 125 ):
الإيلاء معناه أن يحلف الزوج يمينًا يفيد امتناعه عن مسيس زوجته، وكان أهل الجاهلية يولون السنة والسنتين وأكثر من ذلك، يقصدون إيذاء المرأة، فجاء الإسلام باعتبار هذا الحلف من الرجل ظلمًا لها، ينافي حقوقها المشروعة التي لا يجوز للزوج أن يؤذيها فيها، يقول الله تعالى: للذين يؤلون من نسائهم تربص أربعة أشهر فإن فاءوا فإن الله غفور رحيم، وإن عزموا الطلاق فإن الله سميع عليم.
وقد اختلف الأئمة في وقوع هذا الطلاق: زمنًا، وكيفيةً ونوعًا:
- فقال الحنفية: أنه يقع بائنًا، بصورة عقوبة، بمجرد مضي المدة دون أن يحنث الزوج في يمينه، فإن لم يفيء حتى انقضت الأشهر الأربعة بانت منه زوجته، ولا حاجة إلى القضاء بالتطليق، ولا إلى تلفظ الزوج به.
- وذهب الجمهور إلى غير ذلك:
( أ ) فمنهم من اشترط تلفظ الرجل بالتطليق، فإن لم يفعل جهد القاضي إلى أن يطلق، وهو مذهب الشافعي في القديم، والظاهرية، وطاووس، وعكرمة، وجماعة من أهل الحديث واختاره الشيخ ابن تيمية.
(ب) وقال آخرون: أنه يؤمر بالتطليق أو الفيء، فإن لم يفعل طلق القاضي عليه بمقتضي ولايته العامة. وبهذا قال مالك، والشافعي في الجديد، وأحمد، والليث، وإسحق، وأبو ثور، واختاره ابن المنذر، ورواه سليمان بن يسار عن تسعة رجال من الصحابة، وواضح أن هذا الرأي أجرى مع حكمة التشريع، وفي غيره محاذير ظاهرة، فقد يفاجأ الزوجان بطلاق بائن يكون الحالف غافلاً عن المدة فيه. وحجب القاضي عن سلطة التطليق الجبري على المولى الممتنع ينافي الأصول، والقواعد الشرعية والقانونية.
أما نوع الطلاق فقد ذهب الحنفية، والزيدية، وأبو ثور، وآخرون إلى أنه بائن، لأن المقصود منه دفع الضرر. وذهب الأكثرون، ومنهم مالك، والشافعي، والأوزاعي، وأحمد في إحدى الروايتين عنه، إلى أن التطليق بسبب الإيلاء رجعي، إذ الأصل أن كل طلاق يقع رجعيًا وضرر المرأة يزول بمراجعتها في العدة، والرجعة آية الرغبة فيها، والإقلاع عن الإضرار بها.
والفيء إنما هو المسيس لمن لا عذر له، فإنه متى كان التطليق جبريًا على الزوج قضاء لسبب، فلا تجوز الرجعة منه إلا بزوال السبب، كيلا ينقض برجعته قضاء القاضي، مع قيام السبب الذي من أجله صدر الحكم، فإن كان للولي عذر من مرض جعله غير قادر على المسيس، أو حبس أو شبه ذلك صحت رجعته بالقول، قال ابن المنذر: إن هذا قد أجمع عليه كل من يحفظ عنه من أهل العلم، وقاله مالك في المدونة والمبسوط، وفي هدي ما سلف صيغت أحكام هذا الفصل.
الفصل الثالث: التفريق للضرر
المواد (126 - 135 ):
التفريق القضائي بين الزوجين عن طريق التحكيم، أخذ به الفقه المالكي المتبع الآن، وهو أصح القولين عند الحنابلة، وأصبح السائد في قوانين الأحوال الشخصية بالبلاد الإسلامية، ولكن تطبيقه أظهر كثيرًا من العيوب والقصور، فعدلت أحكامه تعديلاً يتلافى العيوب التي تشوبه، ويمد أوجه النقص، ويحقق الغرض منه، وذلك على الوجه التالي:
1- أن يكون طلب التفريق غير مقصور على الزوجة، بل للزوج أيضًا أن يطلبه وإن كان يملك الطلاق، حتى لا تتخذ الزوجة المشاكسة إساءتها وسيلة إلى تطليقها من زوجها دون مقابل، فتحمله خسارًا كبيرًا من نفقة العدة، وباقي المهر والمتعة، فضلاً عن متجمد نفقة الزوجية، وخسارة الزوجية نفسها، ففي فتح باب المحكمة أمامه لطلب التفريق عن طريقها إمكان إعفائه من هذه التبعات، وتعويضه عن طلاق تضطره إليه إساءة الزوجة، وهذا الإعفاء، وذلك التعويض مما يحول بين الزوجة وتعمد الإساءة، لتتوصل بها إلى الطلاق.
2- وصرحت المادة (126) بأن التفريق يجوز أن يطلب قبل الدخول حتى لا يبقى مجال للخلاف حينئذ بين المحاكم، ولأن المضارة قد تتحقق قبل الدخول في صور عديدة، ومن المصلحة أن تزول هذه الزوجية التي بدأت معتلة قبل أن يمتد الإضرار إلى غير الزوجين من أهل، أو أطفال أبرياء.
3- وتعين المحكمة، إذا تعذر عليها الإصلاح، حكمين للتوفيق، أو التفريق حسب المادة (127)، فلا يشترط في بعث الحكمين تكرر الشكوى، فإنه شرط ليس في كتاب الله، فلا وجه لتغيير نظام التحكيم به، قال تعالى: وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكمًا من أهله وحكمًا من أهلها........ وفي بعث الحكمين ابتداء اختصار للإجراءات، وهو لا يضيع شيئًا لازمًا، لتحقيق العدالة، وهو ظاهر عبارة الشامل من كتب المالكية.
4- وبينت المادتان: (129)، (130) مهمة الحكمين، وما يتبعانه عند العجز عن الإصلاح، من التفريق ونتائجه المالية، أو اقتراحها رفض الدعوى، حسب الإساءة، ومصدرها، وأيًا كان طالب التفريق من الزوجين.
5- ودلت الحوادث على أن كل حكم يميل إلى صاحبه غالبًا، وقلما يتفقان، فإذا أمرهما القاضي بمعاودة البحث عن الاختلاف أصر كل واحد منها على موقفه، وإن ندب غيرهما اتبع الحكمان الجديدان سبيل الأولين، وهكذا يطول التحكيم، وأمد الخصومة، دون الوصول إلى نتيجة، فرُئي أن الخير في أن تختار المحكمة حكمًا ثالثًا مرجحًا من غير أهل الزوجين، تبعثه مع الحكمين عند اختلافهما، وتقضي بما يتفقون عليه، أو برأي الأكثر.
وتنظيم التحكيم على هذا الوجه لا يخالف أصلاً من أصول الشريعة، فإن الآية الكريمة لم تنهِ عن الزيادة في عدد الحكمين فمتى تبين أنها لازمة في هذا العصر لإمكان الحسم، وإظهار الحق من الباطل، ورفع الضرر، تعين الأخذ بها، وهذا ما سلكه قرار حقوق العائلة العثماني منذ عام 1917، واتبعه القانونان السوري والأردني، على أن المالكية لم يلتزموا تحكيم اثنين، فمنهم من ذهب إلى أنه يجزي إرسال حكم واحد، قال ذلك عبد الله في المدونة، وقاله اللخمي أيضًا.
فإذا ذهب كل واحد من المحكمين الثلاثة إلى رأي مخالف للآخرين قضت المحكمة بالتفريق على الوجه الذي تراه في الالتزامات المالية.
على أساس أنهم يعتبرون حينئذ كشهود أطلعوا على تفاصيل الشقاق وأسبابه، فتستنير المحكمة بأقوالهم في تقدير ما تراه الأعدل.
ويعزز هذا الاتجاه أن بعض فقهاء السلف، ومنهم الحسن، يرون أن الحكمين شاهدان، يرفعان الأمر إلى السلطان، ويشهدان بما ظهر إليهما، وروي ذلك عن ابن عباس، فإن لم تنتج أقوالهم رأيًا، أو لم يقدموا تقريرًا، سارت المحكمة بالإجراءات العادية.
6- والضرر الزوجي يكثر وقوعه في حالات خاصة، من النادر أن يحضرها من تقبل شهادتهم عند جمهور الفقهاء، فيصعب إثباته مع أنه يكون ملموسًا مشهورًا لدى الكثيرين، فتيسيرًا للعدل، وإظهار حقيقة الواقع بين الزوجين، استندت المادة (134) إلى فقه المالكية الذي استمد منه أحكام الموضوع، فقبل الشهادة على الضرر بالتسامع، وقصد به الشهرة في محيط الزوجين، ومن الواضح أن ذلك يختلف باختلاف الأوقات والملابسات، وأن تحديد محيط حياة الزوجين متروك للمحكمة.
أما الشهادة بالتسامع على نفي الضرر فإنها غير مقبولة.
وقد تقرر أن درجة القرابة أو الصلة بين الشاهد والمشهود له، أيًا كانت، لا تمنع وحدها من قبول الشهادة متى توافرت شروطها الأخرى، كالإسلام في الشهادة على المسلم، دفعًا للعسر والحرج، وصيانة للحقوق، أخذًا بقول عمر بن الخطاب، وجميع الصحابة، وشريح، ومن وافقهم.

الانتقال إلي الصفحة التالية