|
القسم الثاني
الوصية
الباب
الأول - أحكام عامة
الفصل الأول: تعريف الوصية، وركنها، وشرائطها:
المواد (213 -
214
):
قد عرفت الوصية في المادة (213)، بأنها تصرف في التركة مضاف إلى ما بعد
الموت، وهذا التعريف أشمل، وأضبط مما عرفها الفقهاء الأقدمون، فقد
عرفها بعضهم بأنها تبرع مضاف إلى ما بعد الموت، وبعضهم بأنها اسم لما
أوجبه الموصي في ماله بعد الموت، وهذان التعريفان لا يشملان بعض
الوصايا، كالوصية بتقسيم التركة بين الورثة، لكن تعريف القانون يشمل كل
الوصايا، فهو يشمل التمليكات، والإسقاطات، وتقرير مرتبات، ويشمل تقسيم
التركة بين ورثة المتوفى، ويشمل الوصية بالمنافع دون الأعيان.
وركن الوصية قد ذكر في الفقرة الأولى من المادة (214)، وهو أنها تنعقد
بالعبارة أو بالكتابة، فإذا كان الموصي عاجزًا عنهما، انعقدت الوصية
بإشارته المفهمة.
والمقرر عند الحنفية أن التصرف ينشأ بالعبارة إن كان المتصرف قادرًا
عليها، ولا تغني الكتابة عن العبارة إلا إذا كان العقد بالمراسلة، إذ
المشافهة غير ممكنة في هذه الحال، فتقوم الكتابة مقامها، وهذا لأن
الأصل في الدلالات أن تكون بالألفاظ، فلا تنتقل إلى غيرها إلا عند
العجز، فإذا كان الموصي عاجزًا عن العبارة كالأخرس ومن اعتقل لسانه،
قامت الإشارة المفهمة أو الكتابة مقام اللفظ، وإذا كان لا يستطيع
النطق، ولا يعرف الكتابة اكتفي بالإشارة، وإن كان يعرف الكتابة ففي
المذهب رأيان، أحدهما أنه لا يجوز العقد بالإشارة والثاني أنه تكفي
الإشارة.
وقد جرى القانون على غير مذهب الحنفية، إذ سوى بين انعقاد الوصية
بالعبارة والكتابة، ولم يجعل جواز الإنشاء بالكتابة عند عدم إمكان
العبارة، بل جعل انعقاد الوصية بالإشارة عند العجز عن العبارة أو
الكتابة، وفي رواية جواز إنشائها بالكتابة، ثم قراءتها عليه، وهذا يتفق
مع مذهب الإمام مالك، وقول في مذهب الإمام أحمد.
وقد نصت الفقرة الثانية من المادة (214) على أنه لا تسمع عند الإنكار
في الحوادث الواقعة من تاريخ العمل بهذا القانون دعوى الوصية أو الرجوع
القولي عنها بعد وفاة الموصي إلا إذا وجدت أوراق رسمية، أو مكتوبة
جميعها بخط المتوفى، وعليها إمضاؤه، تدل على ما ذكر، أو كانت ورقة
الوصية أو الرجوع عنها مصدقًا على توقيع الموصي عليها، ويجوز في حالة
الضرورة إثبات الوصية اللفظية بشهادة شاهدين عدلين حضراها.
والمطبق في دولة الكويت في الأحوال الشخصية، ومنها الوصية هو أحكام
مذهب الإمام مالك، التي تقضي بجواز إثبات الوصية بأي دليل شرعي،
كالبينة الشرعية وغيرها.
ولكن الفقرة السابقة اشترطت لسماع دعوى الوصية، أو الرجوع القولي عنها
بعد وفاة الموصي في غير حالة الضرورة توافر إحدى الحالات الآتية:
( أ ) أن تكون الوصية أو الرجوع عنها ثابتة بأوراق رسمية.
(ب) أو أن تكون الوصية أو الرجوع عنها مكتوبة كلها أو كله بخط المتوفى،
وعليها إمضاؤه كذلك تدل على ما ذكر.
(ج) وأن تكون ورقة الوصية أو الرجوع عنها مصدقًا على توقيع الموصى
عليها، وفي حالة الضرورة يجوز إثبات الوصية اللفظية بشهادة شاهدين
حضراها.
والذي دعا إلى عدم سماع الدعوى بالوصية أو الرجوع عنها في غير الأحوال
المذكورة هو أن اتباعه أدعى إلى الاطمئنان، فقد ضعف الوازع الديني،
ونشأ عن ذلك أن كثرت دعاوى الوصايا الباطلة بعد وفاة الموصي، وقد حال
الموت بينه وبين أن يقر الوصية أو ينكرها، والورثة قد لا يعلمون
الحقيقة، ومن السهل إثبات الوصية بشهادات مزورة، ملفقة.
فقطعًا للادعاءات المزورة، والوصايا الباطلة، رُئي النص على ألا تسمع
إلا الدعاوى السابقة، وهذا لا يجافي الشريعة، ولا يخرج عنها.
فقد ذهب الحنابلة إلى أن الوصية سنة، أخذًا من قوله صلى الله عليه وسلم
ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه، يبيت ليلتين إلا وصيته مكتوبة عنده.
ومن حق ولي الأمر أن يخصص القضاء بالزمان، والمكان، والحادثة، وفي النص
على عدم سماع الدعاوى في غير الحالات المذكورة حث للناس على توثيق
وصاياهم رسميًا، وأن تكون كتابتها جميعًا بخطهم، وإمضائهم إياها، أو
التصديق على توقيعهم عليها، وليس في ذلك تكليف الناس بما يشق عليهم،
فقد توافرت الوسائل، وكثر وعي الناس.
وهذا كله عند إنكار الوصية.
أما عند الإقرار بها فتسمع في غير الحالات المذكورة، وكل هذا في
الحالات العادية، أما في حالة الضرورة، كأن يكون الموصي في سفر، وأوصى
فيجوز في مثل هذه الحالة إثبات الوصية بشهادة شاهدين عدلين، حضرا
الموصي، وهو يوصي، فلا تقبل شهادة من لم يحضرها، وكل هذا بعد تاريخ
العمل بهذا القانون، وسيأتي بيان معنى الرجوع القولي وغيره في المادة
(228).
المادة (215):
موضوع هذه المادة هو الشرط في الباعث على الوصية: إذ الشروط في الوصية
أنواع، منها ما يرجع إلى الباعث عليها، ومنها ما يرجع إلى صيغتها،
ومنها ما يرجع إلى الموصي، ومنها ما يرجع إلى الموصى له، ومنها ما يرجع
إلى الموصى به، وهذا كله في الوصية الاختيارية لا الواجبة.
فما يرجع إلى الباعث عليها قد أوردته المادة – والمراد بالباعث السبب
الذي دعا الموصي ودفعه إلى إصدار وصيته – فإذا ما صدرت الوصية وجب
البحث عن العوامل التي دفعت الموصي إلى الإيصاء بما أوصى به، وذلك
بالنظر فيما اشترطه، وفيما صاحب الوصية من ظروف وملابسات، فإذا تبين من
ذلك أن السبب الذي دفعه إلى الإيصاء غير مشروع ومنافٍ لمقاصد الشرع،
ولم يكن يقصد بوصيته خيرًا، ولا مصلحة مشروعة، كانت الوصية باطلة.
والمراد بالباعث المنافي لمقاصد الشارع ما يجعل الوصية محرمة أو مكروهة
تحريمًا.
والوصية التي وضعت للمعصية هي الوصية بأمر محرم نصًا، كالوصية لأندية
القمار أو لمرقص.
والوصية التي ليست في ذاتها محرمة، بل هي تمليك مباح، ولكن الباعث
عليها أمر محرم، كالوصية لخليلته، ليضمن أن تستمر معه على الحال
المحرمة بينهما، وكالوصية لأهل الفسوق، ليستعينوا على فسقهم، وإلى
بطلان الوصية بالمعصية ذهب الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنابلة،
وأهل الظاهر، والشيعة الجعفرية، والزيدية، فبطلان الوصية بالمعصية محل
اتفاق بين المذاهب.
وقد جرى القانون على أن الوصية تبطل إن كانت بمحرم أو بمكروه تحريمًا،
كما هو مذهب الحنفية – والمكروه تحريمًا يعد من المحرم عند غير الحنفية
– ولكن الحنفية لا يجعلونه من المحرم، ولكن يعطونه حكمه، فالوصية بمال
يشترى به خمر، أو بألف دينار ليشترى به كفن، أو بمال تبنى به قبة على
قبره، أو ليبنى به مسجد حول قبره باطلة، لأنها بمحرم، أو مكروه تحريمًا
– والمكروه تنزيهًا لا تبطل به الوصية.
والمادة بصيغتها المذكورة تشمل وصية الضرار، وتفيد أنها باطلة –وجمهور
الفقهاء على أن الوصية إذا كانت بالثلث، أو بأقل منه، وكانت لغير وارث
لم تكن من وصية الضرار، فلا تبطل مهما كان قصد الموصي، سواء أكانت
بقليل ماله أم بكثيره، تضرر بذلك ورثته أم لا، وإن من الفقهاء من خالف
ذلك، وجعل الوصية وصية ضرار إذا قصد بها الموصي الإضرار بورثته، وإن
كانت بأقل، من الثلث أو لأجنبي، وإن المدار في ذلك على قصد المورث
الإضرار، فإذا لم يقصد ذلك لم تكن وصية ضرار.
هذا هو الحكم في وصية المسلم.
أما وصية غير المسلم فقد نصت الفقرة الأخيرة من المادة على أنها تكون
صحيحة إلا إذا كانت محرمة في الشريعة الإسلامية، والوصايا التي تصدر من
غير المسلم قد تكون قربة في شريعته وفي الإسلام، كالوصية بإسراج بيت
المقدس، أو لفقراء المسلمين، فإن الوصية للفقراء قربة في كل الأديان،
وقد تكون الوصية بمحرم في شريعة الموصي وفي الإسلام، كالوصية للمغنيات
والنائحات، والوصية بذلك باطلة، لأنها معصية في كل الشرائع، وقد تكون
الوصية بما هو قربة عندهم، وليس قربة في الإسلام، وهذه القربة قد تكون
محرمة في الشريعة الإسلامية، وقد لا تكون، فالوصية بمبلغ يصرف على من
يدعون للدين المسيحي، وارتداد المسلمين قربة عند غير المسلمين، لكنها
محرمة في الإسلام، فلا يصح العمل بها، ومثل هذه الوصية باطلة لمخالفتها
للشريعة الإسلامية.
الوصية المضافة، أو المعلقة بالشرط، أو المقترنة به:
بينت المادة (216) حكم هذه الوصايا فذكرت أنها صحيحة سواء أكان الشرط
صحيحًا أم غير صحيح، مع مراعاة ما نصت عليه المادة (213) من عدم صحة
الوصية بالمعصية، أو التي يكون الباعث عليها منافيًا لمقاصد الشريعة.
ومن المقرر أن الصيغة المنشئة للعقود والتصرفات أما منجزة، أو معلقة،
أو مضافة.
فالمنجزة هي ما تدل على إنشاء العقد ووجوده في الحال كالبيع والشراء.
والمضافة إلى المستقبل هي ما تدل على إنشاء العقد في الحال، ولكن تؤخر
أحكامه إلى زمن مستقبل، كإجارة تعقد في الحال على أن تنفذ بعد شهرين.
والمعلقة ما تدل على ترتيب وجود العقد على وجود أمر غير مستحيل الوقوع
في المستقبل.
ومن الواضح أن الوصية لا تنعقد بصيغة منجزة، لأن آثارها تتأخر إلى ما
بعد الموت، فلا تصح إلا مضافة إلى المستقبل، أو معلقة.
وقد أجاز القانون أن تكون صيغة الوصية مقترنة، بشروط، وأوجب اعتبار
بعضها، وألغى بعضًا، فأوجب اعتبار الشرط الصحيح، وهو ما كان فيه مصلحة
للموصي أو الموصى له أو غيرهما، ولم يكن منهيًا عنه، ولا منافيًا
لمقاصد الشريعة، وألغى اعتبار الشرط غير الصحيح.
ومثال الشرط الذي فيه مصلحة للموصي أن يبدأ في تنفيذ الوصايا بما فاته
من زكاة أو حج، ومثل الذي فيه مصلحة للموصى له، أن يبدأ من الوصية
بسداد دينه، ومثل الذي فيه مصلحة لغيرهما، أن يوصي بنفقة دار لجهة من
الجهات على أن يكون من حق من لا يجد سكنًا من ذريته، أن يسكن فيها.
ومثال الشروط المنهي عنها أن يشترط في تنفيذ وصايا تخصيص قدر معين من
المال، ليكون أجرة للنائحات، أو المغنيات.
ومثال الشرط المنافي لمقاصد الشرع أن يوصي لشخص، ما دام عزبًا، ومقتضى
المادة أن الشروط الباطلة لا تؤثر في صحة الوصية لمعصية، فيبطل كما
سبق، فإن لم تتمحض للمعصية وقرنت بشرط غير صحيح بطل الشرط، وصحت
الوصية.
والشرط الصحيح يراعى ما دامت المصلحة فيه قائمة، بمعنى أنه يحقق مصلحة
للموصى له، فإذا أوصى شخص لفقراء بمبلغ ينفق في كسوتهم، وكانت مصلحتهم
في ذلك، وصرف فيها، فإن كانت مصلحتهم في أخذ نقود أو طعام، أعطوا
النقود أو الطعام، فالمناط هو المصلحة.
المادة (217):
المراد بمن هو أهل للتبرع البالغ العاقل الرشيد، غير المحجور عليه لسفه
أو غفلة، وبناءً على ذلك لا تصح وصية الصبي الذي لا يميز ولا وصية
المجنون، أو المعتوه والمغمى عليه، وهذا محل اتفاق بين جميع الأئمة، إذ
ليس لهؤلاء إرادة، ولا عبارة معتبرة، فتكون وصيتهم باطلة باتفاق.
وكذلك لا تصح وصية السكران، إذا أوصي حال سكره، لأنه وهو كذلك غير
عاقل، ولا إرادة له، وهذا مذهب المالكية، والحنابلة، والشيعة الجعفرية،
وذهب الحنفية إلى صحة وصية السكران، زجرًا له واعتبارًا لقصده، إذ أقدم
على السكر وهو يعلم أنه قد يأتي من الالتزامات ما لا يقصده، وذلك عندهم
إذا سكر بمحرم، أما إذا سكر بغير محرم، كأن شرب المسكر للتداوي فوصيته
باطلة، لانعدام إرادته، وهذا ما ذهب إليه الشافعية أيضًا.
وطبقًا لما اشترطته المادة من أن يكون الموصي أهلاً للتبرع، فإن وصية
المكره، والهازل، والمخطئ غير صحيحة، وهو ما ذهب إليه الأئمة الأربعة،
والزيدية، والشيعة الجعفرية.
أما وصية المحجور عليه لسفه أو غفلة، ووصية من بلغ ثماني عشرة سنة
فإنها باطلة إلا إذا أذنت بها المحكمة المختصة قبل حصولها، أو أجازتها
بعد حصولها، ذلك أن سن الرشد حسب القانون رقم (4) لسنة 1974 هو إحدى
وعشرون سنة ميلادية، وإذا طرأ الجنون على الموصي بعد الوصية، فإن كان
جنونًا مطبقًا، وهو الذي لا تحصل منه إفاقة قبل الموت، واستمر حتى
الموت بطلت الوصية، طبقًا لمذهب الحنفية، وإن كان غير مطبق فلا تبطل،
وهو مذهب المالكية والحنابلة.
أما وصية المرتد فموضع خلاف بين الأئمة، فعند صاحبي أبى حنيفة: أبى
يوسف ومحمد أن وصية المرتد والمرتدة جائزة، وقال أبو حنيفة: أن وصية
المرتدة جائزة، لأنها لا تقتل، ووصية المرتد باطلة إن مات، على ردته،
وعند المالكية، والشافعية، واحد القولين عن أبي حنيفة أن وصية المرتد
والمرتدة موقوفة، فإن ماتا على الردة بطلت، وإن عادا إلى الإسلام، صحت
ولعل هذا الرأي هو أعدل الآراء.
المواد (218 -
221
):
أورد القانون شروط الموصى له، وما يتصل بها في المواد 218 - 221، وذلك
بالإضافة إلى ما سبق في المادة (215).
وقد جاء في المادة (218) أنه يشترط في الموصى له شرطان:
الأول: أن يكون معلومًا.
الثاني: أن يكون موجودًا عند الوصية إن كان معينًا، فإن لم يكن معينًا
لم يشترط فيه أن يكون موجودًا عند الوصية، ولا وقت موت الموصي.
وذكرت المادة (219) أن الوصية للمساجد والمؤسسات الخيرية وغيرها من
جهات البر، والمؤسسات العلمية، والمصالح العامة صحيحة، وتصرف على
عمارتها، ومصالحها، وفقرائها، وغير ذلك من شؤونها، ما لم يتعين مصرف
الوصية لها بعرف أو دلالة، كما تصح الوصية لله تعالى بدون ذكر جهة
معينة، ولأعمال البر بدون تعيين جهة منها، وتصرف حينئذ في وجوه الخير.
وذكر في المادة (220) أن الوصية لجهة معينة من جهات البر غير موجودة،
ولكنها ستوجد مستقبلاً صحيحة، فإن تعذر وجودها، صرفت الوصية إلى أقرب
مجانس لتلك الجهة، طبقًا لمذهب الحنابلة.
وذكرت المادة (221) أن الوصية تصح مع اختلاف الدين، والملة، ومع اختلاف
الدارين، ما لم يكن الموصى تابعًا لبلد إسلامي، والموصى له غير مسلم
تابع لبلد غير إسلامي، تمنع شريعته من الوصية لمثل الموصي.
واشتراط أن يكون الموصى له معلومًا، وموجودًا عند الوصية، إن كان
معينًا محل اتفاق بين المذاهب، وتعيين الموصى له قد يكون بالإشارة
إليه، وفي هذه الحالة لا يتصور إلا أن يكون موجودًا عند الوصية، وقد
يكون بذكر اسمه، سواء أكان واحدًا أم متعددًا، وقد يكون بذكر صفة مختصة
به تدل عليه شخصيًا، لدلالة اسمه عليه، وذلك كأن يوصي شخص لحمل فلانة،
أو لحمل هذه المرأة: أو لأكبر أولاد فلان سنًا، أو لأول ولد يولد
لفلان، أو نحو ذلك من الأوصاف، ففي هذه الأحوال كلها يشترط القانون إن
يكون الموصى له موجودًا عند الوصية، مع ملاحظة استثناء جهات البر، إذا
أوصى إلى جهة معينة منها.
وصحة الوصية للمنشآت الخيرية المعينة غير الموجودة هو مذهبا الحنابلة،
والمالكية.
وعند المالكية، لا يشترط في الحمل الموصى له أن يكون موجودًا عند
الوصية، وتصح الوصية بالمرتبات لغير الموجودين، وذلك استثناءً مما
اشترطته المادة (218).
المواد (222 -
225
):
ذكر القانون شروط الموصى به، وما يتصل بها في هذه المواد فذكر في
المادة (222) أنه يشترط في الموصى به ثلاثة شروط:
1- أن يكون مما يجرى فيه الإرث، أو يصح أن يكون محلاً للتعاقد حال حياة
الموصي.
2- أن يكون متقومًا عند الموصى إن كان مالاً.
3- أن يكون موجودًا عند الوصية في ملك الموصي إن كان معينًا بالذات.
والذي يجري فيه الإرث، هو المال المملوك سواء أكان عقارًا أم منقولاً،
أو أن يكون حقًا من الحقوق التي تنتقل بالإرث، كالديون الثابتة في ذمة
المدينين، فأنها تنتقل، بوفاة الدائن إلى وارثه سواء أعدت أموالاً، أم
حقًا من الحقوق المالية، ويتناول كذلك حقوق الارتفاق، وهي حقوق المرور
والشرب، والتعلي، وحق المسيل، لأنها كلها حقوق مالية تنتقل بالإرث، فكل
ما ذكر محل للإيصاء، فتصح الوصية بالعقار، وبالمنقول، سواء أكان تحت يد
الموصي، أم تحت يد نائبه، كيد المستأجر، والوديع، والمستعير، كذلك تصح
الوصية، ولو كان الموصى به في يد الغاضب، وتصح الوصية بالدين، سواء
أكانت الوصية للمدين أم لغيره، وتصح بالبناء والغراس، ولو في أرض
الغير، وهناك حقوق لازمة لمحالها، لا تنفك عنها، فتنتقل إلى الورثة، مع
محالها وتبعًا لها، فلا تنفك عن محالها إلا بالتنازل عنها، وذلك، كحق
الشفعة، وحق الخيار، لسبب العيب، أو لسبب فوات وصف مشترط، فمثل هذه
الحقوق لا يتصور الإيصاء بها إلى غير من تنتقل إليه بالوراثة.
ومما يكون محلاً للتعاقد حال حياة الموصي هو ما ليس مالاً، وذلك
كالمنفعة فإنها لا تورث، ولكنها تصلح لأن تكون محلاً لتعاقد الموصي حال
حياته، فيملكها بعقد الإجارة، وبعقد الإعارة، وبالوقف، وكذلك حق تأجيل
الدين، فإنه وإن انتقل إلى الوارث بأجله، لكنه يصلح لأن يكون محلاً
لالتزام الدائن، وعقده، فيؤجل للمدين الدين ويلزمه الأجل، وعلى ذلك تصح
الوصية بتأجيل الدين، والبراءة منه، والوصية بالبراءة من الكفالة.
وقد اشترطت المادة في الموصى به أن يكون متقومًا عند الموصي إن كان
مالاً، أي أن يكون متقومًا في شريعة الموصي والموصى له إذا كان مالاً،
لأن وصف التقوم إنما يكون في الأموال لا في غيرها.
والمتقوم هو ما كان له قيمة عند الاعتداء عليه، وذلك لا يكون إلا في
الأموال المملوكة، لأن الأموال المملوكة منها ما هو متقوم، ومنها ما هو
غير متقوم، فالخمر مال، ولكنه غير متقوم في شريعة الإسلام.
وبناءً على ذلك فلا يصح لمسلم، أن يوصي بخمر ولو لذمي.
والمنافع في عرف القانون من الأموال، فيجب لصحة الوصية بها أن تكون
متقومة في شريعة الموصي، بناءً على الشرط المذكور، فتصح الوصية بسكنى
دار، لأنها منفعة متقومة يستعاض عنها بالمال في عقد الإجارة، ولا تصح
الوصية بمثل الاستظلال بظلال جدار لأنها منفعة غير متقومة.
والشرط الثالث: أن يكون الموصى به موجودًا عند الوصية في ملك الموصى إن
كان معينًا بالذات أو بالشخص.
كالوصية بهذه الدار لفلان، أو بهذه الغنم، أو بالغنم التي أملكها الآن،
مثلاً، وهذا الشرط محل اتفاق بين الفقهاء.
أما إذا كان الموصى به غير معين بالشخصية ولا بالذات، فلا يشترط وجوده
عند الوصية، وإنما يشترط وجوده عند الوفاة، فإذا قال شخص: أوصيت لفلان
بكتبي وليس له كتب عند الوصية، صحت وصيته إذا توفي عن كتب، فإذا توفي
وليس عنده كتب كانت وصيته باطلة، واشتراط أن يكون الموصى به وقت
الإيصاء ملكًا للموصي إذا كان معينًا هو مذهب الأئمة جميعًا.
وإذا كان الموصى به جزءًا شائعًا في مال معين، فإن وجوده في ملك الموصي
شرط عند وجود الوصية – ولكن هناك مسألة قرروا فيها صحة الوصية مع عدم
وجود الموصى به وقت الوصية، ولا وقت الوفاة، وذلك إذا ما أوصى بغلة
بستانه، فإذا مات وليس في بستانه غلة صحت الوصية، وتكون له الغلات
المستقبلة، ما دام حيًا، وإذا كانت في البستان غلة وقت الوفاة، كانت
الوصية في الغلة القائمة، وفي الغلات المستقبلة، ما دام حيًا، لأن
الوصية بالغلة من قبيل الوصية بالمنافع، وهي تجوز الوصية بها، وإن كانت
تتجدد بعد وفاة الموصي، ولأن الغلة اسم للموجود وقت الوفاة، وما يوجد
مستقبلاً، وكذلك الحكم فيما لو أوصى بثمرة بستانه، وذلك طبقًا لمذهب
الشافعية الذين لا يفرقون بين الوصية بالغلة والثمرة، على خلاف مذهب
الحنفية الذين يفرقون بينهما.
وما جاء في المادة (223) هو تفصيل لما ذكر في المادة (222) إذ الخلو من
الحقوق التي تنتقل بالإرث، وهو طبقًا للمذهب المالكي مصدر المادة اسم
لما يملكه من أنفق ماله في عمارة الوقف، أو في الصرف على مصارف الوقف
عند حاجتها، وعدم وجود ريع للوقف من المنفعة التي دفع النقود في
مقابلها، وحق الأولوية في البقاء فيه، وقد ذكر له المالكية ثلاث صور:
الأولى: أن تكون عين الوقف مخربة، فيؤجرها ناظر الوقف لمن يعمرها من
ماله، على أن يكون شريكًا للوقف بما زادته فيه عمارته، فإذا كانت تؤجر
مثل العمارة بمائة دينار مثلاً، ثم صارت تؤجر بعدها بمائتين، كان صاحب
العمارة شريكًا للوقف بحق النصف وسمي ما يملكه من ذلك خلوًا.
الثانية: أن يكون لمسجد حوانيت مثلاً موقوفة عليه فاحتاج إلى العمارة
الضرورية، وليس هناك ريع يعمر به، فيعمد الناظر إلى مستأجر الحوانيت،
ويأخذ منه مقدارًا يعمر به المسجد، ويخفض له في مقابل ذلك أجر الحوانيت
إلى النصف مثلاً، وعند ذلك تكون منفعة الحوانيت شركة بين المستأجر
والوقف مناصفة، ويسمى ما يملكه المستأجر من ذلك خلوًا.
الثالثة: أن يكون للوقف أرض فضاء، ويريد الناظر أن يبنيها، فيدفعها
لشخص على أن يقيم عليها بناءً من ماله، يكون له حق البقاء نظير أجرة
يدفعها كل شهر مع ذلك في نظير انتفاعه بأرض الوقف، وعند ذلك يعد
المستأجر شريكًا للوقف في منفعة العين مقابل ما دفعه في بنائها، ويسمى
ما له من حق فيها خلوًا.
وعندهم – المالكية – أن الخلو يجوز التصرف فيه بالبيع، والهبة،
والوصية، وينتقل بالوراثة عند الوفاة، وما عدا الخلو من الحقوق التي
تنتقل بالإرث سبق بيانه عند الكلام عن المادة (222) والخلو يشمل الحكر،
وهو كالخلو في أحكامه.
والمادة (223) تفصيل لإجمال الفقرة الأولى من المادة (222) أو تطبيق
لها.
وصحة الوصية بالإقراض مذهب الحنفية، وقد لوحظ فيه أمران: أحدهما أنه
يترتب عليه منع بعض التركة عمن ورثها مدة من الزمن لا يستطيعون فيها
الانتفاع به، فوجب لذلك ألا يتجاوز الوصية به ثلث التركة، إذ أن حقهم
في الثلثين يجب أن يتوافر لهم ملكا وانتفاعًا من وقت وفاة مورثهم، فإذا
زاد ما أوصى بإقراضه على ثلث التركة، توقفت الوصية في الزائد على إجازة
الورثة.
ثانيهما: أن للإقراض شبهًا بالمعارضات من ناحية أن الموصى له سيرد مثل
ما أخذه قرضًا، وإذا أجاز الحنفية الوصية بالبيع وبالهبة، فمن المتسق
مع ذلك الوصية بالإقراض.
وإذا كانت الوصية بالإقراض من قبيل الوصية بالمنافع، فهي تقيد بأجل
معلوم، كما تقيد الوصية بالمنافع، وذلك على خلاف القرض في مجال الحياة،
فإن الأجل فيه غير لازم عند جمهور الفقهاء خلافًا للمالكية الذين قرروا
أن الأجل يلزم إذا ذكر له وقت معلوم، أو جرت العادة العامة بأجل معروف،
إذا لم يذكر أجل انصرف التوقيت إليه، أو يكون المال المقرض جرت العادة
في مثله أن يؤدى في أجل معلوم كثمر زرع مثلاً، فانه يؤجل أداؤه إلى وقت
الحصاد.
وأجازت المادة (225) للموصي أن يقسم تركته على حسب الميراث الشرعي بين
ورثته، بحيث يعين نصيب كل واحد من الورثة في أعيان ماله، ليتمكن من
تنظيم تركته، وقسمتها بين الورثة على الوجه الذي يرى المصلحة فيه،
ويقضي على ما عساه يكون من خلاف بينهم على التقسيم بعد وفاته، وليمكن
للضعفاء من ورثته من أن يكون تحت أيديهم من التركة مالاً يشق عليهم
استغلاله والوصية تكون لازمة على الورثة من غير حاجة إلى إجازتهم لها
إلا إذا كان قد حابى في قسمته بعض الورثة محاباة تزيده عن نصيبه. فإنها
تتوقف على إجازة الورثة في الزائد على نصيبه، ومصدر هذه المادة ما قاله
بعض فقهاء الشافعية والحنابلة ونص عليه المالكية.
الانتقال إلي الصفحة التالية
|