|
الفصل الثاني
بطلان الوصية والرجوع عنها:
المادة (226):
تبطل الوصية بموت الموصى له حال حياة الموصي، لأنه إنما يملك عند وفاة
الموصي أو عند قبوله الوصية، وهو في ذلك الوقت معدوم، وغير أهل لأن
يملك، وهذا قول أكثر أهل العلم، وقد روي القول به عن علي، وبه قال
الزهري، وحماد بن أبى سليمان، وربيعة، ومالك، والشافعي، وأصحاب الرأي،
كما جاء في المغني لابن قدامة.
وفي الحطاب أن وفاة الموصى له في حياة الموصي تبطل الوصية له علم
الموصي بموته أم لم يعلم.
وكوفاة الموصى له حال حياة الموصي زواله وانعدامه حال حياة الموصي
أيضًا، فتبطل به الوصية، كما إذا كان الموصى له منشأة من المنشآت، أو
مدرسة، أو مستشفى، فألغى وزال من الوجود حال حياة الموصي، فإن الوصية
له أيضًا تبطل في هذه الحال، لانعدام الموصى له على وضع لا يظن له وجود
بعد ذلك.
وكذلك تبطل الوصية إذا كانت بمعدوم لم يوجد حين وفاة الموصي فتوفى
الموصى له قبل وجوده، وبعد وفاة الموصي، وذلك كأن يوصي لشخص بسكنى داره
سنة، تبتدئ بعد وفاته بستة أشهر مثلاً، وتوفي الموصي مصرًا على وصيته،
وقبلها الموصى له بعد وفاته، ثم توفي الموصى له قبل مضي الستة أشهر.
وقد نصت الفقرة (ب) على أن الوصية تبطل بهلاك الموصى به قبل وفاة
الموصي، وذلك سواء أكان الهلاك بآفة سماوية لا يد لأحد فيه، أم كان
نتيجة اعتداء عليه، ولو من غير الموصي، وذلك لزوال محل الوصية.
والوصية بعين ليست وصية بضمانها، وبدلها عند استهلاكها، أما إذا كان
ذلك بعد وفاة الموصي، وقبل القبول، فإنه يكون مبطلاً للوصية، إذا كان
بغير اعتداء على الموصى به يستوجب ضمانه، وذلك لزوال محلها لا إلى بدل،
أما إذا كانت نتيجة اعتداء مستوجب للضمان كأن تعدى عليه إنسان، فأتلفه،
أو اتلف شيئًا منه، فإن قيمة ما اتلف يتعلق بها حق الموصى له، كما كان
متعلقًا بعين الموصى به، فإذا قبل الموصى له الوصية تملك تلك القيمة
بالقبول. وهذا هو مذهب الحنفية، والحنابلة، وذلك في الموصى به المعين،
أو في موصى به هو جزء من معين، أما إذا لم يكن معينًا ولا جزءًا من
معين، فلا يتصور هلاكه، كما تبطل في الهالك منه إذا هلك بعض المعين
الموصى به، كأن يوصي بهذه النقود، فيضيع نصفها، أو بهذه الأفراس، فينفق
عشرة منها، فإن الوصية تظل باقية فيما بقي من النقود أو الأفراس، وتبطل
فيما ضاع أو هلك.
المادة (227):
مصدر هذه المادة مذاهب مختلفة، فقد أخذ برأي أبي يوسف من الحنفية في
اعتبار القتل مانعًا من الاستحقاق مطلقًا، سواء أجاز الورثة أو الموصي،
أم لم يجيزوا بعد القتل وقبل الموت، ومن يمنع هو المسؤول حسب قانون
الجزاء الكويتي.
والقتل بالتسبب الذي يشمل شهادة الزور التي تؤدي إلى القتل من مذهب
الإمام أحمد، وكون القتل بغير حق، وبغير عذر أخذ من مذهب أبي يوسف
وسائر الأئمة.
وعند المالكية أن القاتل يستحق الوصية سواء أكان القتل عمدًا أم خطأ
وهو أحد أقوال الإمام الشافعي، وقد اتفق الفقهاء على أمرين، أولهما أن
القتل بحق لا يمنع نفاذ الوصية، كالقتل قصاصًا، أو دفاعًا عن النفس، أن
تعين الإنقاذ بذلك، أو القتل حدًا، أو قتل العادل مورثه الباغي.
الثاني: أن العقل إذا فقد، أو غاب لعارض، فلا يعتبر القتل في هذه
الحال، وكذلك إذا كان هناك عذر في القتل، كقتل من يفاجئه مع أهله، وقتل
ذات رحم محرم منه في حالة الزنى.
الرجوع عن الوصية
المادة (228):
إذا استوفت الوصية شروط صحتها عند إنشائها، ولم يحدث قبل الوفاة ما
يبطلها فهي صحيحة، وتكون لازمة، إذا كانت وصية واجبة، بل أنه إذا لم
ينشئها الموصي نفذت من غير عبارة منشئة لها. والوصية الاختيارية عقد
غير لازم يجوز الرجوع عنه في أي وقت شاء الموصي، لأن الذي صدر منه هو
الإيجاب، والتصرفات الشرعية لا تلزم إلا إذا ارتبط بالإيجاب حق لغير
المتكلم به، والوصية لا تنفذ إلا بعد الوفاة، فلا يترتب عليها أي حق
قبل الوفاة، ولذلك فللموصي أن يرجع عنها في أي وقت شاء.
والرجوع يصح بالقول الصريح، وبكل فعل يدل عليه، وتقوم القرينة أو العرف
فيه على أنه أراد بالفعل نقض الوصية، أو يتضمن الفعل من تلقاء نفسه
نقضها، كأن يكون الموصى به حيوانًا فيذبحه، أو ثيابًا فيخيطها لنفسه،
ويلبسها، ونحو ذلك من الأفعال التي تنقض الوصية، ويتعذر تنفيذها في
الموصى به بعد وقوعها، أو تدل بالعرف على أن الفعل لا يكون إلا إذا كان
قد أراد الرجوع، ويصح الرجوع أيضًا بكل تصرف شرعي من شأنه أن يخرج
العين من ملك الموصي، أو يجعل الجمع بين التصرف والوصية غير ممكن،
فبيعها وهبتها يبطلان الوصية، ولو عادت إليه بعد ذلك ولو بفسخ التصرف
نفسه، فإذا أراد الوصية بعد ذلك فلا بد من عبارة جديدة، ومن التصرفات
التي تدل على الرجوع الوقف ولو مؤقتًا.
وقد تقدم أن دعوى الوصية، أو الرجوع عنها لا تسمع عند الإنكار بعد
الوفاة إلا بشروط ذكرت في المادة (214) في الحالات العادية وغيرها.
وهذا كله مع ملاحظة ما نصت عليه المادة (214) بالنسبة لعدم سماع دعوى
الرجوع عن الوصية بعد وفاة الموصي عند الإنكار.
لكن ما المراد بالرجوع القولي الوارد في المادة (214) الذي يحتاج في
إثباته إلى مسوغ من المسوغات الواردة فيها، أهو الرجوع المقابل للرجوع
بطريق الدلالة؟ ويكون المراد منه الرجوع الصريح، وعلى ذلك يكون الرجوع
الصريح هو الذي يحتاج إثباته إلى أحد المسوغات الواردة في المادة.
ونتيجة لذلك يكون الرجوع بطريق الدلالة، ولو كان قولاً لا عملاً،
كالتصرف في البيع لا يحتاج إلى إثباته بالأوراق، أم المراد من الرجوع
القولي كل رجوع يكون بالقول، سواء أكان بالقول الصريح أم بتصرف قولي
يدل عليه؟ إن عبارات الفقهاء تدل على أن المراد بالرجوع القولي الرجوع
الصريح بالقول، فقد جاء في ابن عابدين في بيان أنواع الوصايا بالنسبة
للرجوع ما نصه: وأعلم أن الرجوع في الوصية على أنواع: ما يحتمل الفسخ
بالقول والفعل: كالوصية بعين، وما لا يحتمله إلا بالقول، كالوصية
بالثلث أو الربع، فإنه لو باع أو وهب لم تبطل وتنفذ وصيته من ثلث
الباقي، وطبقًا لذلك فإن كلا من البيع والهبة يعد من الرجوع العملي أو
الفعلي، وكل تصرف يؤدي إلى خروج العين الموصى بها من ملك الموصي يعد من
الأفعال لا من قبيل الأقوال فقط.
فالرجوع القولي الوارد في المادة (214) المراد منه الرجوع القولي
الصريح، وهو الذي يحتاج في إثباته إلى أحد المسوغات المذكورة في
المادة. أما الرجوع الفعلي فيجوز إثباته بأي طريق من طرق الإثبات
الشرعية.
المادة (229):
المراد من جحود الوصية في المادة هو إنكار حصولها في الماضي، وذلك لم
يعده القانون رجوعًا عنها، لأنه كذب يخالف الواقع فقد وقعت الوصية،
وحصلت فعلاً، والكذب لا يبطل العقود، ولا يلغي الحقوق المقررة، أو التي
ستقرر..أما النفي للوصية في المستقبل، كأن يقول: اشهدوا أني لا أوصي
لفلان، فذلك ليس جحودًا للوصية، ولكنه نفي لبقائها في المستقبل، وذلك
رجوع عنها.
وكذلك لم يعتبر القانون إزالة العين الموصى بها، ولا الفعل الذي يزيل
اسم الموصى به، أو يغير معظم صفاته، ولا الفعل الذي يوجب فيه زيادة لا
يمكن تسليمه إلا بها رجوعًا عن الوصية إلا إذا دلت قرينة أو عرف على أن
الموصي يقصد بذلك الرجوع عن الوصية.
وعلى ذلك فلا تكون الأفعال رجوعًا عن الوصية، إلا إذا كانت مهلكة
للعين، مزيلة لها إزالة تامة أو ناقلة للملكية نقلاً تامًا، أما إذا
استهلكت العين في غيرها، بأن دخلت في أشياء أخرى للموصي، ولم يمكن
فصلها فلا يعد إزالة لحقيقتها، فإذا كانت العين الموصى بها ثيابًا
فصبغها الموصي، أو قطعها، أو كانت سيارة فغير بعض أجزائها، ليجعلها
أحسن، أو خلط الموصى به بغيره خلطة يجعله غير متميز، سواء أكانت قيمية
أم مثلية فإن ذلك لا يعد رجوعًا عن الوصية، لأن الحقيقة لم تزل، ولم
تخرج عن ملك الموصي، إلا إذا صحبت الفعل قرينة عرفية أو قولية تدل على
الرجوع، وحينئذ لا تكون دلالة الرجوع من الفعل، بل تكون الدلالة مما حف
بالفعل من قرائن.
وعدم اعتبار الجحود رجوعًا هو أحد قولين مصححين في مذهب الحنفية، وعدم
اعتبار التغيير في العين غير جوهرها وكيانها رجوعًا هو مذهب الإمام
مالك، فهو لا ينظر إلى التغييرات التي تلحق الموصى به، من حيث إنها في
ذاتها تدل على الرجوع أو لا تدل، إنما نظر إلى الأفعال من حيث أثرها في
العين، فما دامت لم تزل حقيقة الموصى به لا يبطل الوصية، والفعل عنده
لا يدل بذاته على الرجوع إنما يدل ما حف به من قرائن.
ونزع الملكية، والاستملاك في دولة الكويت لا يعد رجوعًا عن الوصية،
لأنه ليس تصرفًا اختياريًا من الموصي، وإنما هو إجراء تسير عليه
الدولة، لا يملك الموصي عدم تنفيذه، وهذه المادة تفصيل للإجمال الوارد
في الفقرة الثانية من المادة (228).
الفصل الثالث: قبول الوصية وردها:
المواد (230 -
235
):
الوصية حسبما جرى عليه القانون تصرف ينشأ بإرادة منفردة، إذ أنه بمجرد
وجود السيارة الدالة على إرادة الشخص لتصرف معين في تركته بعد وفاته،
تعتبر الوصية قد وجدت بحكم القانون.
ولكن الملكية بمقتضى الوصية لا تثبت للموصى له بقبوله للوصية صراحة، أو
دلالة بعد وفاة الموصي، ولا عبرة لقبوله أو رده قبل وفاته، لأن الوصية
تصرف لا تظهر آثاره إلا بعد الوفاة، فلا عبرة بالقول أو الرد إلا وقت
التنفيذ، ولأن القبول إنما هو لثبوت الملكية لا لإنشاء التصرف، فكان لا
عبرة له إلا عند تنفيذ أحكامه.
والقبول من كامل الأهلية الرشيد، يكون منه بالصراحة أو الدلالة، وكذلك
الرد، وقبول قاصري الأهلية وفاقديها، والمحجور عليهم يكون ممن لهم
الولاية عليهم، ولأولئك حق القبول مطلقًا، لأن القبول نفع محض.
أما الرد فهو ضرر، ولذلك ليس لمن له الولاية على من ذكروا أن يرد
الوصية إلا بعد إذن المحكمة، فإذا أذنته بالرد كان ملزمًا بذلك، وإذا
لم تأذنه نفذت الوصية، وهي حين تأذن بالرد، فإنها تراعي مصلحة الموصى
له، فاقد الأهلية، ومن هو على شاكلته.
ويكون القبول إذا كان الموصى له جهة، أو مؤسسة، أو منشأة ممن يمثلها
قانونًا، فإن لم يكن لها من يمثلها لزمت الوصية من غير حاجة إلى قبول:
وإذا مات الموصى له قبل القبول أو الرد قام ورثته مقامه فيهما، والوصية
تقبل التجزئة، فمن له القبول، له أن يقبل الوصية كلها، أو بعضها، فإن
قبلها كلها لزمت، وإن رد بعضها بطلت فيما ردها فيه، وإذا تعدد الموصى
لهم، فقبل بعضهم، ورد بعضهم، لزمت في نصيب من قبل، وبطلت في نصيب من رد
م 231، 232.
والقبول لا يشترط أن يكون فور الوفاة، فليس له وقت معلوم، بل يستمر ذلك
الحق للموصى له، ما لم يثبت رده صراحة أو دلالة.
فحق القبول أو الرد ثابت على التراخي لا على الفور.
وإذ استطال الوارث، أو من له تنفيذ الوصية الزمن، أو خشي استطالته، فقد
أعطاه القانون حقًا لدفع الضرر، أو لمنع الاستطالة من غير مبرر، فسوغ
له أن يبلغ الموصى له بإعلان رسمي، فيه بيان كافٍ للوصية، ويطلب منه
القبول أو الرد، فإذا مضى على علمه بذلك ثلاثون يومًا كاملة لا يدخل
فيها يوم الإعلان، ولا مواعيد المسافة، ولم يجب بالقبول أو الرد، ولم
يكن له عذر مقبول في عدم الإجابة، تعتبر الوصية قد بطلت، لأن ذلك يكون
دليلاً على الرد، وإن لم يكن ردًا صريحًا، لأن الانتظار بعد ذلك عبث،
وضرر على الورثة – المادة (232).
وإذا كان الموصى له غير موجود وقت الوفاة، ثم وجد، ولم يوجد من قبل عنه
عند الوفاة، فالمفهوم أنه عند وجوده، ووجود من يقبل عنه يكون له القبول
والرد، لأن القانون ذكر أنه لا بد منه صراحة أو دلالة للزوم الوصية،
إلا إذا اعتبر ذلك من نوع الوصية التي لا يوجد من يمثلها، فتلتزم من
غير حاجة إلى القبول.
وملكية الموصى له للموصي به لا تثبت من وقت القبول، بل تثبت من وقت
الوفاة، إن لم يكن قد حدد له وقت معين عند إنشاء الوصية، لأن سبب
الملكية ليس هو القبول، بل السبب هو الوصية نفسها، والقبول لزوم، أو
شرط لدخول المال في ذمة الموصى له، لكيلا يدخل شيء في ملك الإنسان
جبرًا عنه، لأن من الناس من لا يتحمل منه التبرع له، فجعل له حق الرد
في الوصايا، فإذا وجد القبول ثبتت الملكية من وقت السبب، ويترتب على أن
ثبوت الملكية يكون من وقت الوفاة، أن زوائد المال، وهي نماؤه أو غلاته،
تكون ملكًا للموصى له من وقت الوفاة أيضًا، وبذلك تكون عليه نفقة
الموصى به من وقت الوفاة، سواء في ذلك نفقات الحفظ، أو نفقات الإصلاح
والإبقاء وإذا رد الموصى له الوصية كلها أو بعضها بعد الموت، وقبل
القبول، بطلت فيما رد، وإذا ردها كلها أو بعضها بعد الموت، والقبول،
بطلت فيما رد، وقبل ذلك منه أحد منهم بطل رده –م (234)، ومصدر هذا
الحكم هو مذهب الحنفية، إذ الرد عندهم فسخ للوصية، لأن الورثة قائمون
مقام الموصي، وكان يمكن أن يرد عليه لو كان حيًا إذا قبله، فكذلك إذا
ردها على الورثة الذين يقومون مقامه وذلك لأن العقد يلاحظ فيه أصل
انعقاده، فإن كان ينعقد بالإيجاب والقبول، فكذلك يجب فسخه بالتراضي،
وإذا رد الموصى له على بعض الورثة دون بعض، فمقتضى القياس هذا باطل،
لأن هذا تمليك لمن ردها عليه، ولكنهم استحسنوا، وجعلوا الرد على بعض
الورثة، كالرد على جميعهم، وكان بين الورثة على فرائض الله تعالى، لأن
أصل العقد كان بينه وبين الموصي، واحد الورثة: يقوم مقامهم جميعًا في
الحقوق، فكان الرد على أحدهم بمنزلة الرد عليهم، أو يعد رد الموصى له
فسخًا، لقبوله الوصية، وهو ينفرد بذلك في حق نفسه.
والمادة (235) ليست في حاجة إلى بيان.
الباب
الثاني - أحكام الوصية
الفصل الأول: الموصى له:
المواد (236
- 245):
الوصية للمعدوم جائزة حسبما جاء في المادة (236)، والمراد بالمعدوم من
لم يكن موجودًا وقت إنشاء الوصية، ولكن يحتمل أن يوجد في المستقبل،
سواء أوجد عند الوفاة أم لم يوجد إلا بعدها، وقد يحصل اليأس من وجوده
بعدها، كأن يوصي لمن يولد لفلان، ولم يكن له ولد عند إنشاء الوصية، ولم
يولد له ولد عند وفاة الموصي، أو ولد له ومات، أو حصل اليأس من أن يكون
له ولد بعد الوفاة، إذ يموت عقيمًا، فقد أجازت المادة إنشاء الوصية مع
كل هذه الفروض، وإن كانت في الحالة الأخيرة تنشأ صحيحة، ولكنها تؤول
إلى البطلان، لتعذر وجود من يستحقها، والوصية كما تصح للمعدوم منفردًا
بها، تصح مع موجود، كأن يقول أوصيت لأولاد فلان الذين ينتسبون إليه في
الحال والاستقبال، فإنه يدخل في الاستحقاق أولاده الموجودون وقت إنشاء
الوصية، ومن يوجدون بعد ذلك، والوصية بالأعيان أو المنافع جائزة، وهي
بالأعيان تمليك تام، والمنافع تمليك ناقص، والملكية التامة لا تنتقل
للموصى لهم إلا عند وجودهم بالوصف الذي ذكره الموصي، وعدم إمكان دخول
غيرهم، وقبل ذلك تكون للموصى لهم المنفعة، وتكون ملكية الرقبة للورثة،
وإذا آلت ملكية الرقبة والمنافع للموصى لهم، فإن من يموت منهم يكون
نصيبه لورثته، ومن مات قبل ذلك يكون نصيبه لورثته أيضًا، وإذا كانت
الوصية بالمنافع للمعدوم الذي سيوجد، فإن ملكية الرقبة تكون لورثة
الموصي دائمًا، وليس للموصى لهم إلا المنفعة، كما هو الشأن في الوصية
بالمنافع، ويراعى في تنفيذ الوصية لفظ الموصي، والقرائن اللفظية
والعرفية التي قارنت إنشاء الوصية، من حيث الدلالة، والوصية للمعدوم
جائزة في مذهب الإمام مالك رضي الله عنه.
والمراد بمن يحصون في المادة المعينون بأسمائهم وأشخاصهم، أو المعروفون
بأوصافهم، كالموصي من بني فلان، أو جنسهم كبني فلان.
وأوضحت المادة (237)
أن الوصية بالمنافع قد تكون دائمة كما إذا كان الموصى لهم غير
محصورين لا ينقطعون غالبًا، كالفقراء والمساكين، والمحاويج، وفي مثل
هذه الحالة لا تكون المنافع قابلة لأن تعود إلى الورثة، فإن كانت لمن
يحصون، ولم يوجد أحد منهم عند وفاة الموصي كانت المنفعة لورثة الموصي.
وإن وجد مستحق حين وفاة الموصي أو بعده كانت المنفعة له، ولكل من يوجد
بعده من المستحقين إلى حين انقراضهم بانقراض طبقتهم، أو بموتهم قبل
ذلك، فتكون المنفعة عندئذ لورثة الموصي، وعند اليأس من وجود غيرهم إذا
انقرضوا، ترد العين لورثة الموصي، لأن من يستحق المنفعة لا وجود له.
وبينت المادة (238)
أنه إذا قال الموصي أوصيت لمن يولد لفلان بكذا، ولم يكون لفلان إلا
ولد، أو لم يولد لفلان إلا ولد واحد، استحق العين الموصى بها، أو الغلة
كلها وحده، إلا إذا دلت عبارة الموصي، أو قامت قرينة على أنه أراد غير
ذلك، كأن يقول أوصيت لمن يولد لفلان بكذا، يأخذ الثلاثة كله، ومن دونهم
يأخذون بمقدار هذه النسبة، فإنه في مثل هذه الحالة يأخذ الواحد الثلث،
والاثنان الثلثين، والباقي يكون للورثة غلة فقط، أو غلة ورقبة على حسب
ما أوصى الموصي، وذلك عند اليأس من وجود مستحق آخر.
والمراد بالطبقة في المادة (239)
البطن من الذرية، فإذا كان بين الموصى لهم توالد، اعتبر كل بطن
طبقة، فإذا قال أوصيت لأولاد فلان، ثم لأولادهم بمنفعة كذا، كان أولاد
فلان طبقة، وأولاد أولادهم طبقة، فإذا كان أفراد الطبقة الأولى
(أولاده) موجودين، استحقوا وحدهم المنفعة الموصى بها، ولا تستحق الطبقة
التالية (أولاد الأولاد) إلا بعد انقراض الطبقة الأولى، أو اليأس من
وجودهم، وهكذا في كل طبقة، وبانقراض جميع الطبقات تعود المنفعة إلى
ورثة الموصي إلا إذا كان قد أوصى بها، أو ببعضها لغيرهم، وتعود المنفعة
إلى ورثة الموصي، إذا لم يكن أوصى بها أو ببيعها، فإذا لم يكن بين
الموصى لهم توالد، كأن يوصي شخص لأولاد زيد، وأولاد عمرو، وأولاد خالد،
فإن الوصية حينئذ تكون لثلاثة بطون من ذريات مختلفة، ولا يمكن في هذه
الحالة أن يوصف أحدها بأنه أول أو ثان للبطون الأخرى، وتصح الوصية لكل
البطون على اعتبار أنها طبقة واحدة، فإذا قال بعد ذلك، ثم من بعدهم
لأولادهم، ثم من بعدهم لأولادهم، كان أولاد زيد وعمرو وخالد طبقة،
وأولادهم طبقة ثانية، فلا تستحق إلا عند انقراض أفراد الطبقة الأولى،
أو اليأس من وجودهم على نحو ما سبق بيانه، وكل ذلك مع مراعاة ما نصت
عليه المادتان السابقتان:237، 238.
وذكرت المادة (240)
أن الوصية لمن لا يحصون أي غير المحصورين جائزة، سواء أكان لفظ
الوصية يدل على معنى الحاجة أم لا، وإذا صحت لا تصرف للمحتاجين وغير
المحتاجين، بل تصرف إلى المحتاجين فقط، لأن الوصية عمل معروف، ويعتبر
أو يتعذر فيها الصرف إلى الجميع، فلا بد أن يصرف إلى بعضهم، وهم
المحتاجون، ولا يلزم أن يصرف إلى جميع المحتاجين أيضًا، أو يسوى بينهم
في مقدار ما يصرف، بل ذلك راجع إلى اجتهاد من له تنفيذ الوصية، وهو
الوصي المختار الذي يعينه الموصي، فإن لم يعين أحدًا، فالصرف يكون من
اختصاص الدائرة المختصة بالمحكمة الكلية، ومن تعينه لذلك، على أن يقدم
الأحوج على المحتاج، وقال بعض فقهاء الحنفية أن من يقل عددهم عن المائة
يحصون، ومن زاد على المائة فلا يحصون، وترك بعضهم التقدير لرأي القاضي.
والمراد بالمحصورين في المادة (241)
المعروفون بأوصافهم أو جنسهم، كبني فلان، أو المرضى من بني فلان،
أو حفظة القرآن الكريم بقرية كذا، ولم يعرفوا بأسمائهم، ولم يعينوا
بأشخاصهم، ففي هذه الحالة يكون الموصى به لجميع الموصى لهم، فإن لم تتم
الوصية لبعضهم، كموته في حياة الموصي، أو عدم قبوله، فإن الموصى به
يكون كله للباقين، ما دام الوصف يكون ثابتًا لهم، ويكون لكل منهم قدر
ثابت من الموصى به، وكأن له وصية مستقلة، وإذا مات واحد من الموصى لهم
بعد استحقاقه لنصيبه في الوصية، ودخوله في ملكيته، تطبق الأحكام العامة
للقانون في هذا، فإن كانت الوصية بملكية تامة استحقها، انتقل نصيبه إلى
ورثته، لتعين نصيبه باستحقاقه من الأعيان الموصى بها فتنتقل إلى
ملكيته، كما ينتقل كل ملك تام، وإن كان الموصى به منفعة، أو لم يكن قد
استحق منه إلا المنفعة، فإن نصيب من يموت يكون لباقي من ينطبق عليه
الوصف، لأنه لم تثبت في المنافع حصص معينة ثابتة، والمنافع لا تنتقل
بالوراثة، إذ الملكية فيها ناقصة.
وأحكام هذه المادة مصدرها في الجملة الفقه الحنفي والمالكي.
والصور التي أوردتها
المادة (242).
1- أن يوصى لمعين شخصًا أو جهة، ولغير معين محصور، كأن يوصى لزيد
وولده، أو أن يوصي بغلة هذه العين للصرف على مستشفى كذا، ولولد فلان.
2- أن يوصى لمعين شخصًا أو جهة، ولغير معين غير محصور، كأن يوصى
للفقراء ولأولاد فلان.
3- أن يوصى لغير معين محصور، ولغير معين غير محصور، كأن يوصى لأولاد
فلان والفقراء.
4- أن يوصي للأنواع الثلاثة، كأن يوصي لفلان، ولأولاد فلان، وللفقراء.
والحكم في الأمور كلها، كما هو نص المادة، اعتبار كل من الجهة والجماعة
غير المحصورة، وكل واحد من المعينين بأسمائهم أو بالإشارة إليهم، أو
بما يدل على تعيينهم تعيينًا شخصيًا، وكل واحد من الجماعة المحصورة
المعرفة بالوصف في الحكم، كالشخص المعين بالذات، فيجعل لكل شخص منهم
حقيقة أو اعتبارًا سهم من الموصى به، ويقسم الموصى به بينهم على
الأساس، ذلك لأن المعينين من الموصى لهم أوصى لكل منهم بشخصه، فلا بد
من مراعاة أشخاصهم، وذلك يستوجب أن يكون لكل فرد منهم حصة، ومثلهم في
ذلك الجهة باعتبارها جهة معينة موصى لها على هذا الوضع، وفي حكم ذلك
الجماعة التي عرفت بالوصف، وهي مما يحصى ويحدد عدده، ويعرف، فأمكن
اعتبارهم كالمعينين، واعتبارهم برؤوسهم، أما من لا يحصى فلا يمكن معرفة
عددهم ولا حصرهم، وعلى ذلك فلا يمكن اعتبارهم برؤوسهم، فلم يكن من سبيل
إلا أن تعتبر الوصية لهم، كالوصية للجهة، باعتبارهم وحدة يجمعهم الوصف.
وهذا كله إذا لم ينص الموصي في وصيته على طريقة خاصة لقسمة الموصى به
بينهم، وإلا وجب اتباع ما نص عليه.
ومصدر المادة – رأي الشيخين: أبي حنيفة وأبي يوسف، وقد خالفهما محمد
إذا كان من بين الموصى لهم جمع لا يحصى، كالفقراء فإنه في هذا الحال
يجعل له في الموصى به سهمان لا سهم واحد، لأن أقل الجمع اثنان، إذ أن
الشارع قد اعتبر الاثنين من الإخوة جمعًا في قوله تعالى: فإن كان له
أخوة فلأمه السدس فأعطى الأم السدس مع الأخوين أو الأختين، وعلى ذلك
فإذا أوصى لجمع كانت الوصية لاثنين على الأقل، فوجب أن يكون له سهمان.
وحجة الشيخين أن الوصية لمن لا يحصى لا يراد بها الشمول لجميع الأفراد،
ولا يراد بها التمليك، لأن الشمول متعذر، والتمليك لا يكون إلا لمعلوم
معين، وعلى ذلك يكون المراد مجرد الإنفاق في هذا السبيل، وذكر الجمع لا
يراد منه إلا الجنس، وتعيين المصرف، وذلك يتحقق بالصرف لواحد.
ومؤدي المادة (243
) إنه إذا أوصى الموصي لمعينين، ولمن هو غير أهل للوصية، كأن يوصي
لشخصين أحدهما ميت، فإن الحي يستحق نصف الموصى به، ويرجع النصف الآخر
إلى ورثة الموصي، ومصدر المادة مذهبا المالكية، والشافعية.
ومعنى المادة (244)
إنه إذا بطلت الوصية لمعين، أو جماعة لسبب من الأسباب المبطلة، فإن
حصة من بطلت الوصية له تعود إلى ورثة الميت، ولا يأخذ الباقون من
الموصى لهم إلا حصتهم، ويعود للورثة ما كان للموصى له أن يستحقه لو أنه
كان أهلاً للوصية، وذلك هو ما أوصى له به صراحةً ولفظًا، أو ما يكون له
نتيجة المزاحمة، والقسمة عند ضيق محل الوصية. وهذا هو مذهب الشافعية.
والمادتان (245،
246
) خاصتان بالحمل، والوصية للحمل جائزة في جميع المذاهب، لأنها
تمليك له، وهو أهل لأن يملك، بدليل ميراثه، ولا تتوقف على قبوله عند
الحنفية، وعند غيرهم يكفي قبول الولي أو الوصي.
والوصية للحمل وصية لمعين، ولذا وجب لصحتها اتفاقًا وجوده عند الإيصاء،
كما يجب كذلك ثبوت نسبة من الموصى إليه، إن كان قد عرفه بنسبته إليه،
كأن أوصى لحمل فلانه من فلان.
ولا يستحق الحمل ما أوصى به له إلا إذا ولد حيًا، وذلك بأن ينفصل جميعه
وهو حي، وذلك مذهب الأئمة عدا الحنفية الذين يرون أنه يكفي لاستحقاق
الوصية أن يولد أكثره حيًا – ويعرف وجود الحمل بأحد أمرين:
الأول: أن يقر الموصي بوجود الحمل عند الإيصاء، وفي هذه الحالة إذا ولد
الحمل حيًا لخمسة وستين وثلاثمائة يوم من وقت الإيصاء، أو لأقل من ذلك
صحت الوصية، وذلك للحكم بوجود الحمل حكمًا، بناءً على أن أقصى مدة
يمكثها الجنين في بطن أمه هو سنة، وهو ما ذهب إليه محمد بن عبد الحكم
المالكي، إذ يرى أن أكثر مدة الحمل هي سنة قمرية، ولكن رُئي أن تكون
السنة شمسية، بناءً على رأي الأطباء، وإذا أقر الموصي بوجود الحمل وقت
الوصية، فيعامل بإقراره، إلا إذا أثبت أنه كاذب بيقين، بأن ولد الحمل
لأكثر من خمسة وستين وثلاثمائة يوم.
الأمر الثاني: ألا يصدر من الموصي إقرار بوجود الحمل وفي هذه الحالة
تصبح الوصية للحمل إذا ولد حيًا لسبعين ومائتي يوم فأقل من وقت الإيصاء،
لدلالة ذلك عادةً، أو غالبًا على وجود الحمل في وقت الإيصاء، لأن هذه
هي المدة التي يمكثها الحمل في بطن أمه عادةً، وهذا لحكم عام سواءً
أكانت الحامل زوجة، أم معتدة لفرقة بائنة، أم لموت، أو لطلاق رجعي، أم
كانت غير متزوجة، ولا معتدة، وهذا التقدير يتفق وما ذهب إليه ابن
تيمية، فإذا أتت الحامل بالحمل لأكثر من ذلك كان المظنون بناءً على
الغالب أنها حملت به بعد وقت الوصية، فلا تصح سواءً أكانت زوجة أم
خالية من الأزواج.
وإذا كانت معتدة لوفاة، أو لفرقة بائنة، فإن الوصية تصح في هذه الحالة،
إذ أتت به لخمس وستين وثلاثمائة يوم فأقل من وقت الموت، والفرقة
البائنة، لأن الشارع أثبت نسبه من صاحب العدة في هذه الحال، وإثبات
النسب في هذه الحال نتيجة اعتبار المعتدة حاملاً عند الوفاة أو الفقه،
وإذا كانت الوصية بعد ذلك كان الحمل موجودًا عندها ضرورة، فصحت الوصية.
أما إذا جاءت به لأكثر من هذه المدة، فلا تصح الوصية، لاحتمال وجود بعد
الفرقة أو الموت.
وإذا كان الموصى به عينًا توقف الغلة إلى أن ينفصل الحمل حيًا، فتكون
له، وذلك مذهب الأئمة الثلاثة، وقول عند مالك.
وإذا كانت منفعة توقف حتى ينفصل الحمل حيًا، فتكون له، وإذا استحق
الحمل الموصى به بولادته كله حيًا، ثم مات، وكانت الوصية عينًا استحقها
بعده ورثته، وأما إذا كانت منفعة فتعود بموته إلى ورثة الموصي، لأن
الموصى به هو المنفعة، وهو يستحقها ما دام حيًا.
هذا هو حكم الحمل إذا كان واحدًا، وهو ما تضمنته المادة (245).
فأما إذا كان الحمل اثنين أو أكثر في وقت واحد، أو في وقتين مختلفين
بينهما أقل من ستة أشهر، فإن ولد اثنان أو أكثر أحياءً، كان الموصى به
بينهم بالتساوي، وإن ولد واحد حيًا، والآخر ميتًا، كان الموصى به كله
للحي، وذلك ما لم يكن للموصي نص في مثل هذه الحالة، فإنه يتبع نصه، وإن
استحق الحمل الوصية، ثم مات، فالحكم هو ما سبق بيانه في شرح المادة
(245).
الانتقال إلي الصفحة التالية
|