المذكرة الإيضاحية لمشروع قانون الأحوال الشخصية
القسم
الأول - الزواج
الكتاب الأول - إنشاء الزواج
الباب الأول - مقدمات الزواج
المادة (1):
استهدف مشروع القانون في تعريف الزواج ما جاء به القرآن الكريم في قول
الله تعالى ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجًا لتسكنوا إليها،
وجعل بينكم مودة ورحمة.
وما ورد في السنة النبوية من أن الزواج سبيل الإعفاف والإحصان.
وما حرص عليه الإسلام من ابتغاء النسل النقي القوي، ترجى له مظان الخير
من قبل مولده، وترعاه الأبوة الحانية، في كثرة ليست غثاء كغثاء السيل،
وإنما ركازها القوة بالقدر المستطاع، أملاً للأسرة، وذيادًا عن الأمة.
وبذلك استبعد التعريف ما شاع بين الفقهاء المتأخرين من أن الزوجة محل
للاستمتاع، والخوض في الحديث عن هذه المتعة، وأظهر ما للزواج من مقاصد
سامية في بناء المجتمع الصالح، وتأسيس حياة قوامها السكينة والمودة
والرحمة.
المادتان (2، 3
):
الخطبة هي التماس التزويج، وتتم بالاتفاق على حصوله فيما بعد، فهي لا
تلزم الزواج، وليست إلا تمهيدًا له، سواء أكانت طلبًا من أحد الطرفين،
أم صارت اتفاقًا بينهما، أم تأكدت بما اعتاده الناس من حصول الوعد، أو
قبول كل منهما هدايا الآخر، أو قبض المرأة أو وليها المهر كله أو بعضه،
للدلالة على التراضي.
ولا يترتب على هذه المقدمات شيء من أحكام الزواج، بل لكل من الطرفين أن
يعدل عنها متى شاء.
وقد اتفق المجتهدون على التأثيم الديني في زواج مخطوبة الغير، فإذا عقد
الخاطب الثاني زواجه بها، مستوفيًا أركانه وشرائطه صح العقد، وترتبت
عليه آثاره عند جمهور الفقهاء، لأن الخطبة ليست شرطًا في صحة الزواج،
لا تلازم بين كون النهي للتحريم وبطلان العقد، وهذا ما جاءت به المادة
الثالثة وفق رأي الجمهور، وقول في المذهب المالكي غير مشهور، وعلى خلاف
المشهور في المذهب وهو الفسخ قبل الدخول بالزوجة، وعدم الفسخ بعده، كما
يخالف قولاً ثالثًا هو الفسخ مطلقًا قبل الدخول وبعده.
وقد راعت المادة فيما أخذت به الحرص على استقرار الأسرة.
المادة (4):
إذا عدل أحد الطرفين عن الخطبة، فإن ما قدمه الخاطب من المهر كله أو
بعضه، له الحق في استرداد عينه إن كان قائمًا أو بدله – مثلاً أو قيمة
– إن كان هالكًا أو مستهلكًا، لأن المرأة لا حق لها في المهر إلا بعقد
الزواج، وهو لم يوجد، وهذا، اتفاق الفقهاء.
ويجري حكم المهر على الهدايا التي جرى العرف باعتبارها منه، فهي اليوم
من أهم ما تشمله مفاوضات الزواج، وقد تكون بالنسبة لقيمتها هي المهر
الحقيقي، ويصدر هذا فقه الحنابلة، وما تقرر في الفقه المالكي ومنه قول
الزرقاني في شرح مختصر خليل: أما ما يهدى عرفًا في العقد أو قبله،
فكالصداق، وأما ما يشترط إهداؤه فيتفق على القضاء به.
لكن المخطوبة قد تشتري الجهاز أو بعضه بالمهر المقدم وبعد عدول الخاطب
لا تضمن كل ما كان ينتظر من الانتفاع به وردها جميع ما قبضته، يصيبها
الخسران، بينما تقديم المهر يفيد الإذن المضمن من الخاطب بشراء الجهاز
فليس من العدل إلزامها بمثل ما قبضته. بل الأقرب إلى العدل أن يكون لها
الخيار بين إعادة المهر، أو تسليم ما يساويه كلاً أو بعضًا من أعيان
الجهاز التي اشترتها.
وسند ذلك ما جاء في الفقه المالكي، ومنه قول الزرقاني في شرح مختصر
خليل:... لو خطب شخص امرأة، ودفع لها الصداق قبل العقد، فتجهزت به، ثم
لم يحصل عقد لمنازعتهما، فهل يرجع بما اشترته أو بالنقد ؟.
والظاهر الأول إن أذن لها، أو علم، أو جرى به عرف والثاني عند انتفاء
ذلك.
وما تقرر في الفقه الحنفي من قاعدة التسليط، أخذًا بأن الخاطب سلط
المخطوبة على شراء الجهاز بدفع المهر، لأن الشراء هو المقصود، تعجيل
الدفع حسب العادة، وما تمليه الرغبة الظاهرة من قبل الدافع في إتمام
الزواج بالإعداد له.
وعبرت الفقرة (جـ) بمقدار المهر ليشمل ما إذا كان المهر نقدًا، وما إذا
كان سلعة احتفظت بها المخطوبة، واشترت بقيمتها من مالها جهازًا، فإن
لها الخيار عند عدول الخاطب بين أن ترد السلعة عينًا، أو ترد الجهاز
الذي اشترته بقيمتها.
وأفادت هذه الفقرة أنه لا خيار للمخطوبة إذا كان العدول منها، فعليها
حينئذ إعادة المهر أو بدله.
المواد (5، 6، 7):
أصل المذهب المالكي أن من أهدى إلى المخطوبة، ثم تزوجت
غيره، فإنه لا يرجع عليها بشيء مطلقًا، ولكن المتأخرين من فقهاء
المذهب، جعلوا للخاطب أن يرجع عليها إذا كان المانع من قبلها، لأن الذي
أعطى لأجله لم يتم، فإن كان المانع منه فلا رجوع له، وذلك كله ما لم
يوجد شرط، أو عرف.
وجاء في الشرح الكبير أن الأوجه هو الرجوع عليها إذا كان الامتناع من
جهتها.
واختلف المتأخرون من الشافعية في هذه المسألة، والذي دل عليه كلام
الرافعي أنه إن كان الرد من أولياء المخطوبة، رجع عليهم، لأنه لم يهدِ
لهم إلا بناءً على أن يزوجوه، ولم يحصل غرضه، فإن كان الرد منه فلا
رجوع له، ويستدل أصحاب هذا الرأي بالحديث النبوي لا يحل مال امرئ مسلم
إلا بطيب نفس منه
وبينوا أن الغصب نوعان:
غصب استيلاء، هو أخذ الأموال على جهة الاستيلاء والقهر والغلبة، وغصب
استحياء، هو أخذها بنوع من الحياء.
قال الغزالي: وهما حرامان، لأنه لا فرق بين الإكراه على أخذ الأموال
بالسياط الظاهرة، وبين أخذه بالسياط الباطنة.
واختار ابن تيميه أن الهدية لو كانت قبل العقد، وقد وعدوه بالزواج، ولم
يفوا فزوجوا غيره رجع بالهدية، وصرح الحنابلة بدلالة الحال على شريطة
بقاء العقد، وقاسوا على حقه في الرجوع رجوعها هي لو وهبته شيئًا قبل
الدخول ثم طلق.
والحنفية يطبقون أحكامهم في الهبة على هدايا الخطبة، فلا تسترد إذا
هلكت أو استهلكت، ولا يمكن الرجوع بقيمتها عند العدول.
وقد استكمل المشروع أحكام هذه الهدايا، فاختارها من فقه الأئمة،
مراعيًا أن من يعدل قد يكون سبب عدوله عيبًا، أو خلقًا غير كريم في
الآخر لم يكن العادل على بينة منه، أو حدوث مالاً تدوم معه العشرة من
قبل المعدل عنه، أو غير ذلك مما يجعل العادل معذورًا في عدم إتمام
الزواج، وهو عقد العمر الذي يدوم فيه الضرر.
وواقع الأمر في مثل هذه الأحوال أن المعدول عنه هو السبب في العدول،
فيلزم برد الهدايا أو بدلها، ومن البداهة أنه لا يستحق رد ما أهداه،
لأنه هو الذي حال بمسلكه بين العادل والزواج، وإذا كان ثمة شرط وجب
العمل به، لرضا الطرفين به، وإن العرف في ذلك بمنزلة الشرط.
وما يقتضي العدول لا يمكن ضبطه ولا حصره، لأنه باختلاف الأشخاص بيئة،
وثقافة، وزمنًا، وما إلى ذلك، فتقديره متروك للقضاء يستهدي في كل واقعة
بملابساتها وظروفها، وعلى أساس الشريعة الإسلامية.
وإذا انتهت الخطبة بالوفاة، أو يعارض حال دون إتمام الزواج، مثل أسر
أحد الطرفين أو جنونه، فلا استرداد لشيء من الهدايا، فإن عدم إتمام
الزواج لسبب ليس من جهة المتوفى، أو المجنون، أو الأسير.
ومصدر ذلك فقه الإمام أحمد، حيث قال ابن تيمية:
إن اتفقوا – أي الخاطب والمرأة ووليها – على النكاح من غير عقد، فأعطي
– أي الخاطب – أباها لأجل ذلك شيئًا من غير الصداق، فماتت قبل العقد،
ليس له استرجاع ما أعطاهم .
وجاء في كشاف القاع على متن الإقناع ... لأن عدم التمام ليس من جهتهم،
وعلى قياس ذلك لو مات الخاطب لا رجوع لورثته، وبهذا التعليل يطرد الحكم
في الأحوال التي حددها نص المشروع.
أما الهدايا التي لا بقاء لها فقد رُئي أنها لا ترد في جميع الأحوال،
أخذًا بمذهب الحنفية، وما حققه منهم قاضيخان، وجاء في الانقروية وغيرها
ولأنها في العادة قليلة الثمن، ولم يجر العرف بردها، وفي الإلزام بردها
ما يجافي المروءة والكرامة.
الباب الثاني - أركان الزواج
المادة (8):
في فقه الإمام مالك:
قال ابن الحاجب، وابن شاس، وتبعهما أبو الضياء خليل في مختصره إن أركان
الزواج هي الولي، والصداق، والمحل، والصيغة، ولأن المحل زوج وزوجة تكون
الأركان المذكورة خمسة.
وقال الحطاب: الظاهر أن الزوج والزوجة ركنان، لأن حقيقة النكاح إنما
توجد بهما، والولي، والصيغة شرطان، لخروجهما عن ذات النكاح، وأما
الصداق والشهود فلا ينبغي عدهما من الأركان، ولا من الشروط لوجود
النكاح بدونهما، لأن المضر إسقاط الصداق، والدخول بلا شهود.
وفي الإجابة عن ابن الحاجب ومن وافقه قيل: أن المراد بالركن ما لا توجد
الحقيقة الشرعية بدونه، ونقل عن ابن عرفة ما يفيد الاعتراض على الحطاب
بأن الزوجين ذاتان، والنكاح عقد وهو معنى، فلا يصح كونهما ركنين له.
ومذهب أبي حنيفة أن عقد الزواج له ركنان: هما الإيجاب والقبول، لأنها
العنصران الذاتيان في ماهية العقد، وبارتباطهما يتعين المراد منهما:
ويتحقق الرضا به.
والركن في اصطلاح الحنفية هو ما يكون به قوام الشيء، بحيث يعد جزءًا
داخلاً في ماهيته.
والحنابلة يعدون الزوجين الخاليين من الموانع ركنًا ثالثًا مع الإيجاب
والقبول، وقد أسقطوه في بعض كتبهم، كالمقنع، ومنتهى الإرادات، لوضوحه.
والشافعية قالوا: إن الأركان خمسة: الصيغة، والزوجة، والشاهدان،
والزوج، والولي.
ونظرًا للاختلاف الكبير في أركان الزواج رأى المشرع أن يكون الإيجاب هو
ما يصدر أولاً من ولي الزوجة.
والقبول هو ما يصدر ثانيًا من الزوج.
المادة (9):
يستند انعقاد الزواج بجميع الألفاظ التي تفيد معناه لغةً أو عرفًا إلى
ما اختاره ابن تيمية، والقول الأصح عند الشافعية وإلى القاعدة الفقهية:
أن العبرة في العقود للمعاني دون الألفاظ والمباني.
والمقصود باللغة ما يشمل العربية وغيرها، ولو كان العاقدان قادرين على
النطق بالعربية.
فإذا كان العقد بين غائبين، في بلدة واحدة أولاً، جاز أن يكون الإيجاب
بالكتابة، أو بواسطة رسول، للعجز عن المشافهة، وهي الأصل في التعبير،
فلا يقبل سواها من الحاضر القادر على الكلام.
وإذا كان أحد العاقدين عاجزًا عن النطق يصح إيجابه أو قبوله بكتابته،
فإن تعذرت فبإشارته المفهمة، ويشمل التعذر ما إذا كان الموجب أو القابل
لا يكتب أصلاً، أو كان يكتب، ولكنه عجز عن الكتابة لشلل أو نحوه.
وعدم الانعقاد بإشارة الأخرس القادر على الكتابة مفهوم من ظاهر الرواية
عند الحنفية، واختاره جمع من محققيهم، وهو أحوط الروايتين، لخطورة
الزواج، وحاجته إلى الوضوح التام في التعبير عن الإرادة، والكتابة أدل
وأوضح من الإشارة وهذا يسري على معتقل اللسان، والمريض الذي لا يقدر
على النطق.
ويلحظ أن المادة الثامنة عينت الإيجاب والقبول طريقًا لانعقاد الزواج،
وقد حصرت المادة التاسعة وسائل التعبير عنهما، فنفي المشروع نفيًا
باتًا احتمال انعقاد الزواج بالتعاطي، كما لو دفع لامرأة مبلغًا كمهر،
فقبضته وسلمت نفسها إليه دون إيجاب وقبول، فهو مجرد تراضٍ بينهما على
المعاشرة، وسفاح محض، وقد أجمع الفقهاء على عدم انعقاد الزواج به.
وقال ابن القيم ... فلو انتفت مفسدة الزنى بذلك لكان هذا من أيسر
الأمور عليها وعلى الرجل.
الباب الثالث - شرائط عقد الزواج
الفصل الأول: الصيغة:
المادة (10):
( أ ) الأصل في كل العقود هو التنجيز باستثناء ما لا يقبله بطبيعته،
كالوصية، فصيغة عقد الزواج تكون مطلقة من كل قيد، خالية من الإضافة إلى
المستقبل، والتعليق على شرط، ومن الواضح أن التعليق على أمر كائن هو
تعليق صوري، فالصيغة فيه منجزة، ومثله ما يتحقق في مجلس العقد.
أما العقد المعلق على أمر غير محقق الوجود في الحال أو في المجلس، فإنه
لا ينعقد سواء أكان وقوعه فيما بعد محققًا، أم محتملاً، أم مستحيلاً.
وعدم انعقاد الزواج المضاف إلى المستقبل، مثل: تزوجتك بعد شهر معناه
ألا ينعقد في الحال، ولا عند حلول الزمن المضاف إليه، لإن الإضافة إلى
زمن مستقبل تنافي موجب الزواج.
وسار المشروع في هذه الأحكام وفق المذهب الحنفي، ولم يستحسن الأخذ ببعض
الروايات في المذهب الحنبلي التي تجيز تعليق الزواج وإضافته.
واتبع أيضًا رأي الجمهور في بطلان زواج المتعة، والزواج المؤقت، وأعرض
عن قول زفر من الحنفية بانعقاد الزواج المؤقت مع إلغاء التوقيت فاعتبره
باطلاً، لأن المعنى فيه وفي المتعة واحد، فكل منهما زواج إلى أجل، وإن
بلفظ التزويج وحضره الشهود، والعبرة في العقود للمقاصد لا للألفاظ.
(ب) المراد بالموافقة الضمنية أن يكون القبول مخالفًا للإيجاب إلى ما
هو خير منه، مثل أن يوجب الزوج على مهر مقداره ألف دينار، فتقبل الزوجة
بخمسمائة دينار، أو توجب على خمسمائة، فيقبل على ألف، ففي هاتين
الصورتين وأمثالهما تكون مخالفة القبول للإيجاب صورية، تتضمن موافقة
أبلغ، فينعقد الزواج بحسب الإيجاب، ما لم يرضَ الطرف الآخر بما ورد في
القبول.
(ج)، (د) الأصل في القبول من الوجهة النظرية، أن يتصل بالإيجاب مباشرةً
وفورًا، لينعقد العقد، ولصعوبة ذلك وضع الفقهاء للعقد مجلسًا تعتبر
ساعاته وحدة زمنية، فاكتفوا باتحاد هذا المجلس بين الإيجاب والقبول،
مهما طالت فترة المجلس وظل قائمًا لم ينقطع، وعلى هذا قرر فقهاء
الحنفية قاعدة: إن المجلس يجمع المتفرقات فما يوجد في آخر المجلس يعتبر
كالذي يوجد في أوله من حيث وحدة الزمن.
فإذا انقطع المجلس بشيء يدل على الإعراض عن الإيجاب، أو بطلت أهلية
الموجب، ثم صدر القبول لم ينعقد العقد.
ومن الملحوظ أن الغائب المخاطب بالإيجاب كتابة أو رسالة إذا تلا الكتاب
أو سمع الرسالة، وليس في المجلس شهوده فتريث المدة المعقولة يلتمس
الشهود، ليتلو عليهم مضمون الكتاب، أو الرسالة، ويقبل، فإن ذلك لا
يعتبر قاطعًا لمجلس العقد، ولا يفوت به اتحاد المجلس.
وقد اشترط المشروع في التعاقد بين الغائبين بطريق الكتابة أو الوصول أن
ينشأ القبول في مجلس قراءة الكتاب، أو إبلاغ الرسول، فلم يأخذ المشروع
بما جاء في مبسوط شيخ الإسلام خواطر زاده، وما قرره الرحمتي من أن
الغائب الذي أرسل إليه الإيجاب بالكتاب إذا قرأه فلم يقبله في أول
مجلس، يجوز له بعد ذلك أن يقرأه في مجلس آخر، متى شاء بحضور شهود،
فيكون هذا بمنزلة ما لو تكرر الخطاب من الحاضر في المجلس الثاني، فيصبح
القبول مهما طالت المدة بين القراءتين، بحجة اقتران القبول بالإيجاب،
إذ مجلس العقد هو مجلس كل قراءة، فإن هذا الرأي محرج لمرسل الإيجاب،
فإن المخاطب بالإيجاب قد يتلو الكتاب فلا يقبل، وتطول المدة كثيرًا حتى
يصرف المرسل نظره، وييأس من القبول، وقد يتزوج، ثم، يفاجأ بأن المرسل
إليه جدد قراءة الكتاب وقبل الزواج، ولا يخفى ما في هذه النتيجة من
مشكلات.
هذا، وإن النظر القانوني يقرر في حالة التعاقد بين غائبين أن المخاطب
بالإيجاب إذا لم تحدد له مهلة للقبول، يمنح مهلة معقولة منذ اطلاعه على
كتاب الإيجاب ليقبل أو يرفض، ويعتبر مجلس العقد قائمًا خلالها.
وقد رأت اللجنة أن هذا الرأي القانوني لا يتنافى مع نظر فقهائنا في
مجلس العقد، فأخذت به، لكنها حددت هذه المهلة المعقولة بثلاثة أيام،
قطعًا لفوضى التقدير، ما لم يحدد المرسل في الإيجاب مهلة أقل أو أكثر،
فحينئذ تتبع المهلة المحددة.
والمستند في تحديد هذه المهلة هو قاعدة الاستصلاح، لأن الموضوع اجتهادي
من أساسه، فتحديد المجلس فيه متروك للنظر الفقهي المبني على التقدير
المعقول، وفقًا للمصلحة.
أما تحديد المهلة بثلاثة أيام فقد استوحه اللجنة من مهلة خيار الشرط
المشروع للتروي، حيث يحددها كثير من الفقهاء بثلاثة أيام أخذًا بظاهر
حديث: إذا بايعت فقل لا خلابة، ولي الخيار ثلاثة أيام.
(هـ) سماع كل من العاقدين الحاضرين كلام الآخر شريطة لا بد منها حتى
يتحقق معنى التعاقد، وارتباط الإرادتين بالتراضي المتبادل.
والمراد فهم المقصود جملة، لا المفردات والعبارات، فيكفي أن يعرف
العاقد أن التعبير يفيد إنشاء الزواج، حتى لو لقن الشخص الإيجاب أو
القبول بلغة لا يعرفها فنطق به، عالمًا أن المقصود به عقد الزواج كان
ذلك كافيًا.
والفقهاء يطلقون اشتراط السماع، وهم يقصدون العقد بين حاضرين، ولهذا
قيد بالحاضرين في الفقرة (هـ).
المادة (11):
الرضا وحده لا يكفي لصحة عقد الزواج، بل لا بد من إخراجه عن نطاق
السرية، حتى لا تكون العلاقة بين الزوجين مثار شبهة، أو سوء ظن، ولأن
الزواج له آثاره الخطيرة بين طرفيه، والتي تلحق غيرهما كثبوت النسب،
ولا يمكن أن يثبت ذلك عند التجاحد إذا لم يكن العقد معلنًا معروفًا،
ولهذا اتفقت كل الشرائع على وجوب إعلانه وإشهاره، وإن اختلفت في طرائق
الإعلان والإشهار.
وقد اتفق الأئمة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، على اشتراط الشهادة على
عقد الزواج، ولم يشترط الإمام مالك الشهادة عليه، فاكتفى بالإشهار
والعلنية، وقال إن الإشهاد عند العقد مندوب، وعند الدخول واجب، فإن دخل
الزوج بزوجته بلا إشهاد فسخ الزواج بطلقة بائنة.
وأجمع الفقهاء على أن يشترط في الشهود، البلوغ، والعقل، والإسلام إذا
كان الزوجان مسلمين.
واشترط الجمهور أن يسمع الشاهدان معًا كلام المتعاقدين، وإن يفهما
المراد منه، حتى يتحقق الغرض من الشهادة، ولم يشترط الجمهور في البصر.
وذهب أبو حنيفة، وأحمد، وزيد بن علي، وآخرون إلى أن العدالة لا تعتبر.
واشترط مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات صفة الذكورة.
وقول أبي حنيفة، وأبي يوسف المفتي به عند الحنفية أنه تصح شهادة
كتابيين في زواج المسلم بالكتابية، وهذا أحد الأقوال عند الحنابلة.
وممن جعل الإشهاد شرطًا، عمر، وعلي، وابن عباس، والشعبي، وابن المسيب
والأوزاعي.
قال الترمذي: والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله
عليه وسلم، ومن بعدهم من التابعين، وغيرهم قالوا: لا نكاح إلا بشهود،
لم يختلفوا في ذلك من مضى منهم إلا قوم من المتأخرين من أهل العلم.
وأخذت هذه المادة من مذهب أبي حنيفة ومن وافقه، وفي أحكامها تيسير،
ودفع للحرج، مع مراعاة للمصلحة، والعدل، ورأي الكثير من المجتهدين.
وأما شرط الذكورة في الشاهدين فقد أخذ من مذهب مالك.
وواضح أن الشهادة في عقد الزواج يقصد منها - أصلاً - الإعلان الواجب في
هذا العقد، لا إثباته ذلك إنه قد يكون شهود الزواج غير صالحين لإثباته
شرعًا، كأن يتزوج مسلم بكتابية بشهادة كتابيين، فإن شهادتهما على
المسلم لا تقبل.
وعلى هذا يبقى أمر إثبات الزوجية خاضعًا لطرق إثباتها.
الانتقال إلي الصفحة التالية |