الاتصال بنا

من نحن

الصفحة الرئيسية


 
 
 
 
 

 

 

 

 

 

 

 
الأردن
الأمارات
البحرين
تونس
الجزائر

جزر القمر

جيبوتي
السعودية
السودان
سوريا 
الصومال 
العراق
عمان
فلسطين
قطر
الكويت
لبنان
لبيبا
مصر
المغرب
موريتانيا
اليمن

الأحوال الشخصية للمرأة المغربية

ظل موضوع إصلاح مدونة (قانون) الأسرة مطروحا على ساحة النقاش العام في المغرب منذ العقد الأخير من القرن الماضي حيث كان في أحيان كثيرة موضع رهانات تجاوزت طبيعة الملف نفسه إلى أن جاء إعلان الملك محمد السادس عن مشروع المدونة الجديدة في خطابه بمناسبة افتتاح الدورة البرلمانية لفصل الخريف يوم 10 أكتوبر 2003 في الرباط عن قانون جديد للأسرة ينص على حقوق جديدة للمرأة المغربية وإصلاح لقوانين الزواج. ووضع النص الذي أعلن العاهل المغربي عنه الأسرة "تحت المسؤولية المشتركة للزوجين".

وركز الملك إلى ضرورة عدم اعتبار المشروع الجديد انتصارا لفئة على فئة بل مكسبا للمغاربة جميعا دعوة للعودة بالملف إلى موقعه الطبيعي كقضية مطروحة على المغاربة كافة قصد ضمان أكبر حماية ممكنة للأسرة المغربية ومن تم للمجتمع برمته. وحمل حرص الملك على أن يأخذ المشروع الجديد المسار التشريعي الذي تسلكه باقي القوانين دلالات متعددة حيث ارتأى الملك أن يعرض المشروع على البرلمان لأول مرة لما يتضمنه من التزامات مدنية وترك الباب مفتوحا أمام المزيد من النقاش حوله.

وشكل إصدار مدونة (قانون) الأسرة في 5 فبراير 2004 أهم حدث عرفه المغرب فيما يخص الأحوال الشخصية للمرأة، وهي عملية إصلاحية ذات أهمية تاريخية كونها أسست قانونياً للمساواة بين الرجل والمرأة. ويعتبر الإصلاح الذي ادخل علي القانون القديم الذي يعود تاريخ وضعه إلى عام 1958 تتويجا لمشاورات استغرقت عدة سنوات.

والمغرب هو الدولة الثانية العربية الإسلامية التي خطت هذه الخطوة بعد تونس التى تأتى فى المرتبة الأولى فى هذا المجال خاصة وانه مثل أهم محور لتحركات النساء العاملات في الميدان السياسي المغربي من كل الأطياف. وتمثل نشاط هؤلاء النساء بعد إصدار القانون في الإشادة به والقيام بحملات للتعريف بمضامينه وصولا إلى تقييم بعض بنوده بعد مدة قصيرة من التطبيق على أرض الواقع.

وأثار القانون الجديد الذي حل محل مدونة الأحوال الشخصية التي يثير تعديلها جدلا كبيرا في المملكة منذ سنوات بين المحافظين وخصوصا الإسلاميين ودعاة التحديث. ولذلك تركزت التصريحات حوله فى إطار مدى تمشيه مع الشريعة الإسلامية، ومدى اتساقه مع قيم المجتمعات العربية، وذلك مقابل الآراء المعارضة التى اتهمته بالتغريب وبأنه جاء استجابة للضغوط الخارجية. ومن جانبها أجمعت الأطراف السياسية والمدنية على حد سواء على أن التعديلات التي عرفها قانون الأسرة، كان منطلقها من صلب الشريعة الإسلامية، وعلى أنها تبعا لذلك أصبحت قادرة على تقديم إجابات شافية للإشكاليات الحقيقية التي تواجه المرأة المغربية من خلال الشريعة ذاتها ومقاصدها السمحة.

ولعبت المرأة المغربية دوراً ناشطاً آخذة لنفسها مهمة النضال من أجل حقوقها، فمعظم النساء، وخصوصاً في المغرب، رفضن تسمية "النسوية" (مناصرة قضايا المرأة) إذ اعتبرن أنها ضيقة وتعود إلى عصر ومكان ليسا لهن. وهؤلاء النساء يمثلن منظومة واسعة بدءاً من النزعة الإسلامية وصولاً إلى العلمانية، وهي الكلمة التي تزعج بدورها عدداً منهن فى مجتمع إسلامي ومحافظ. وفى هذا الإطار يبرز ما جاء فى الخطاب الذي أعلن فيه الملك عن قيام الإصلاحات كجزء معبر وأساسي للرؤية المغربية التى يتبناها النظام للمرأة ودورها، وتلائم الإصلاح مع طبيعة التوجهات الدينية فى المجتمع والسعى لوضع بنود القانون وصياغة الخطاب بصورة تؤكد على مراعاة الإسلام، وجاء كل بند من البنود الإصلاحية استناداً إلى إحالة على القرآن أو على الحديث والسيرة النبويين فيما ظل مضمون التغييرات كما ورد بالضبط في مشروع العام 2000.

ولعل أحد النقاط الهامة فى القانون الجديد انه غير الاسم نفسه وليس مجرد المواد القانونية، وبعد ان كان القانون القديم يعرف باسم مدونة الأحوال الشخصية تم تغييره إلى مدونة الأسرة وهو الأمر الذى هدف إلى توسيع إطار القانون ليضم الأسرة ككل بمفهومها الواسع، وبما يتسق مع ما ذكره الملك محمد السادس فى خطابه من أن الأسرة مسئولية مشتركة للزوجين.

 

محطات على طريق تغيير قانون الأسرة

يعد إصلاح قانون الأسرة المغربي ثمرة مسيرة طويلة شجع عليها بنوع خاص الملك محمد السادس وحركة نسائية ناشطة. ووفقا للقانون الجديد أصبحت المرأة تتمتع بوضع قانوني مماثل لوضع الرجل وصار لها الحق في أن تطالب بالطلاق وتشاطره الحقوق داخل العائلة ولم تعد خاضعة لوصاية رجل من العائلة (أب أو أخ أو زوج)، فهي حرة مستقلة. لكن الأمر تطلب القبول ببعض التسويات منها مثلاً تعدد الزوجات، وقد سمح به القرآن صراحة، لم يمكن إلغاؤه ولو أن ممارسته باتت شبه مستحيلة.

وكان هناك مشروع إصلاحي سابق لحكومة التناوب هو "مشروع إلحاق المرأة بعملية التنمية" وقد اقترحه رئيس الوزراء الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي عام 1999 ثم قدمه إلى البنك الدولي، الأمر الذي أثار انتقادات وزير الشؤون الإسلامية السيد عبد الكبير علوي مدجاري. وفي النهاية خرج الجدال إلى العلن وتراجعت الحكومة وتشكل فريقان، من جهة المناضلون من أجل حقوق المرأة الذين تجمعوا لإنشاء ما عرف بـ"ربيع المساواة" وفي مواجهته الإسلاميون وحلفاؤهم المحافظون.

وضع سعيد السعدي كاتب الدولة في الرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة (وكيل وزارة)، المنتمي لحزب "التقدم والاشتراكية" (الشيوعي سابقا) "الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية".

وأثارت الخطة بدورها الكثير من الجدل في المغرب، وقسم الحياة السياسية والإعلامية والثقافية في البلاد بين معسكرين متقابلين ومتنافرين لا يكاد يجمع بينهما جامع. وتكون المعسكر المناصر لمشروع الخطة من عدد واسع من الجمعيات النسوية والحقوقية والأحزاب ذات الخلفية اليسارية والليبرالية، وكذلك من عدد كبير من الصحف اليسارية والتقدمية، ومن شبكة عريضة من الإعلاميين المنتمين لتلك الأحزاب، أو المتعاطفين معها. كما دعمتها أغلب أحزاب "الكتلة الديمقراطية" المشاركة في الحكومة المغربية فى ذلك الوقت برئاسة الوزير الأول والأمين العام لحزب "الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية" عبد الرحمن اليوسفي هذه الخطة بصيغة أو أخرى. أما المعسكر المعارض للخطة فهو يتكون من جماعات التيار الإسلامي الحديث، وعلى رأسها حركة الإصلاح والتوحيد وحزب العدالة والتنمية، بالإضافة إلى عدد من الأحزاب ذات الخلفية الإسلامية أو المحافظة، فضلاً عن عدد كبير من علماء المغرب وخطباء المساجد والمثقفين والجمعيات النسوية والثقافية الإسلامية.

وشمل الانقسام السياسي والاجتماعي حول الخطة الدولة والمجتمع، وشهدت الحكومة من جانبها انقسامًا حول الخطة وخاصة بين كتابة الدولة في الرعاية الاجتماعية والأسرة والطفولة من جهة، وبين وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية من جهة أخرى. ومن جانبه وقف وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عبد الكبير العلوي المدغري بقوة إلى جانب المعترضين على الخطة والمعارضين لها. في حين يلاحظ وجود موقف أقرب إلى اللامبالاة لدى جماعة العدل والإحسان المغربية، التي يرأسها الشيخ عبد السلام ياسين، على اعتبار أن القضية جزئية، ولا يجب أن تشغل الرأي العام عن القضايا الكبرى والكلية، وإن كانت الحركة تقف من حيث المبدأ موقف المعارضة للخطة.

كما شهدت دوائر الأحزاب تعرف انقسامًا هي الأخرى على قاعدة الموقف من الخطة بين أحزاب مؤيدة وأخرى معارضة، وثالثة حائرة بين الطرفين. كما انقسم المثقفون وقادة الرأي العام وانخرط كثير منهم بقوة في الجدل الدائر. وعانت وسائل الإعلام هي الأخرى من انقسام على نفس الأساس، وتخوض حملات وجدالات حادة، والجمعيات النسوية والحقوقية والثقافية تنقسم هي الأخرى حول الموقف من الخطة، وتشهد أروقتها حركة غير عادية.

واستخدم الطرفان المتعارضان طرقًا ووسائل متشابهة للدعاية للخطة أو للهجوم عليها. فكل الاطراف اعتمدت على العرائض، واللجوء إلى الشارع من أجل إقناعه بتبنِّي مواقفهما، ومن أجل استمداد النصرة منه. والحرص على جمع مئات الآلاف من التوقيعات المؤيدة لرأيه. كما لجأ كل طرف  إلى عقد الندوات والمحاضرات للتعريف برأيه وموقفه، وللإقناع به والدعوة إليه. واستخدمت وسائل الإعلام بكثافة في  المعركة.

وفي 12 مارس 2000، ومع اقتراب موعد اليوم العالمي للمرأة خرجت مسيرة تأييد للإصلاحات التي اقترحتها الحكومة ودعم للمشروع ضمت ما يقرب من 100 ألف شخص، وشاركت فيها مجموعات نسائية وحركات حقوق الإنسان وأحزاب سياسية (وستة وزراء في الحكومة على الأقل) حتى أن بعضهم طالب بإصلاحات أكثر جرأة. وبالمقابل نظّم الإسلاميون تظاهرة مضادة في الدار البيضاء شارك فيها ما بين 200 ألف و500 ألف شخص، ونددت بالمشروع على أنه مقرب من الغرب ومناهض للإسلام، وسار فيها حشد أكبر بشكل واضح.

وعند هذا المفرق الهام فى الجدل حول التغيير، شكل الملك لجنة من خمسة عشر عضواً لإعادة النظر في المشروع وجعله ملائماً للشريعة الإسلامية. وضمت اللجنة فى عضويتها ثلاثة من النساء برزت منهم السيدة نزهة غسو، وهي أستاذة في كلية الطب والصيدلة في الدار البيضاء وعضو مؤسس في المنظمة المغربية لحقوق الإنسان (OMDH) من دون أن يكون لها أي صفة سياسية. والتى أعلنت مناصرتها للمرأة لكن بحسب ما أوضحت بالمعنى العريض للكلمة قائلة "أنا أدرج خطوتي في السياق الشمولي ولا أعتقد أن هذا يتناقض مع مبادئ الإسلام الأساسية". وأكدت على أن التنديد بالطابع المناهض للإسلام والمزعوم في المشروع هو الذى أجبر المثقفين المغاربة والمنظمات النسائية على وضع قائمة بينات متينة جداً بالاستناد إلى المراجع الإسلامية لكي يبرهنوا أن اقتراحاتهم ليست من إملاء المنظمات الدولية أو الثقافات الغربية، وإنما هي متجذرة تماماً في إرثنا العربي الإسلامي. وأن هذا هو التغيير التكتيكي الأهم في نضال المرأة.

والى جانب اهتمام الملك محمد السادس، ومطالب الجمعيات النسائية فان الهجمات الانتحارية التى وقعت في الدار البيضاء في 16 مايو عام 2003 وقتلت 45 شخصاً ساهمت فى تسريع اتخاذ القرارات حيث أدت إلى تخفيف انتقادات الإسلاميين للتعديلات المقترحة رغبة فى تهدئة الرأي العام بعد الانتقادات التى وجهت لهم والتى حملتهم مسئولية الهجمات بشكل مباشر وبشكل غير مباشر عبر ترويج الأفكار التى ساعدت فى توفير بيئة الإرهاب. فالحدث الذي لا سابق له أصاب الشعب بصدمة.

وعلى الرغم من انتماء الإرهابيون لجماعة الجهادية السلفية المرتبطة بالقاعدة، فان الكثيرين من المغاربة قد حملوا المسؤولية للحركة الإسلامية المحلية التي يمثلها في البرلمان حزب العدالة والتنمية الذي سارع على الفور إلى الموافقة على إعادة النظر في المشروع. كما أن العمليات الإرهابية نفسها ساهمت فى دفع الدولة المغربية إلى التأكيد على أنه لا مجال للبحث في خيار المغرب في بناء دولة ديموقراطية منفتحة ومتسامحة. وبرهنت الأحداث أن على السلطة أن تأخذ في الاعتبار الوضع العام في البلاد وخصوصاً على الصعيد الاجتماعي الاقتصادي. كما أنها عززت الحاجة إلى البرهان على أننا نتماشى فعلاً مع تعاليم الإسلام.

وافرز هذا المناخ التالى لأحداث الدار البيضاء إطار مهيأ للتحرك الفعال، وفى أكتوبر 2003 رفعت اللجنة الاستشارية لمراجعة مدونة الأحوال الشخصية التي يرأسها محمد بوستة الأمين العام السابق لحزب الاستقلال قد رفعت مذكرة للعاهل المغربي بعد سنتين وأربعة اشهر قضتها في البحث عن تسويات لمعضلات أفرزت تباينا في وجهات النظر بين الحركات النسائية المطالبة بتغيير العديد من بنود المدونة والاتجاهات الإسلامية الرافضة لأي تغيير بدعوى الخروج عن الشريعة الإسلامية.

وعقدت زليخة نصري، مستشارة العاهل المغربي الملك محمد السادس، لقاء تشاوريا مع مجموعة من التنظيمات النسائية المغربية بغرض الإعلان عما استقر عليه عمل اللجنة الملكية للبت النهائي في مسألة مراجعة مدونة الأحوال الشخصية. واعتبرت هذه الخطوة خطوة غير مسبوقة كونها المرة الأولى التى يتم فيها إشراك التنظيمات النسائية بجميع تنويعاتها في اتخاذ القرار النهائي. وشكل اللقاء انطلاقة حقيقية للمدونة بعد اكثر من أربع سنوات من النقاش الحاد بين التيارات الداعية إلى إرساء قيم المجتمع الديمقراطي الحداثي والاتجاهات الإسلامية. حيث أن هدف عقد اللقاء التشاوري، الذي عقد قبل الإعلان الرسمي عن الصيغة المعدلة للمدونة، تمثل فى استعراض الصيغ النهائية للملفات الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بتحديد سن الزواج، وإلغاء مؤسسة الولاية، وتوحيد إجراءات الطلاق ومنع تعدد الزوجات وشروط الحضانة والنفقة.

 

مدونة الأسرة والنضال الديمقراطى فى المغرب

ربط البعض بين النضال من أجل تغيير مدونة الأحوال الشخصية بما يضمن المساواة بين الرجل والمرأة في الحقوق والواجبات، والنضال من اجل التحول الديمقراطى فى المغرب. وأكدت على إن الصراع الدائر حول مضامين مراجعة مدونة الأحوال الشخصية جزء من نضال الشعب المغربي من أجل الديموقراطية وحقوق الإنسان، بل هو أصعب واجهات هذا النضال. وطالبت بعض الأصوات من الجماعات المدافعة عن حقوق المرأة والداعية لتغيير القانون أن تبني نضالها على مواجهة الأسباب السياسية والاقتصادية الكامنة وراء التشدد المتزايد في مناهضة هذا التغيير. وتحليل مبرراته باعتبارها غطاء للتمييز ليس فقط في تقاسم الثروة بين النساء والرجال ولكن كذلك التمييز في توزيع الثروة في المجتمع ككل. مما يفترض ربط هدا النضال مع كافة الواجهات النضالية الأخرى التي تصبو إلى الحد من كل أشكال الاستغلال وإلى الوقوف ضد استنزاف خيرات البلاد والسطو على ممتلكات الشعب المغربي وضد السياسات السائدة المسؤولة على نشر الفقر لأنها ليس فقط لأن النساء لهن النصيب الأوفر من النتائج الكارثية لهذه السياسات ولكن أيضا لأن تغيير التشريعات في فترات الجزر لا يخدم إلا الأعداء. مما يتطلب النضال من أجل تغيير موازين القوى لصالح الصف الديموقراطي.

ووفقا لهذا يمكن القول إن الصراع الدائر حول قانون الأسرة بالمغرب يندرج في إطار الصراع بين مشروعين مجتمعيين متناقضين:

• مشروع ديموقراطي متنور. يسعى إلى وضع قانون يضمن حدا أدنى من الكرامة للمرأة، في إطار أسرة قوامها المودة والاحترام المتبادلين والعلاقة المتكافئة بين الرجل والمرأة المبنية على المساواة بينهما في الحقوق والواجبات، عند عقد الزواج أو خلاله أو عند انحلال ميثاق الزوجية، واضعا حقوق الأطفال ومصلحتهم فوق كل اعتبار كما تؤكد على ذلك المواثيق الدولية لحقوق الإنسان. مما سُيَمّكن المرأة من الحد الأدنى من الحماية القانونية والاستقرار ورفع الخوف والوجل الجاثمين على صدرها باستمرار.

• ومشروع رجعي وتراجعي يستهدف إبقاء المرأة في موقع الدونية والتبعية إعمالا لواجب الطاعة الذي يفرضه على المرأة لكونها خلقت لخدمة الرجل وأنها غير مؤهلة للقرار بما فيه ما يتعلق بحياتها الشخصية. وتوضع المرأة موضع القاصر مدى الحياة، خاضعة لوصاية الرجل يمارس ولايته عليها حتى وإن كان ابنها بل أي رجل من عامة المسلمين. وكل هذا ما هو إلا غطاء إيديولوجي يتوخى استمرار الأسرة بمفهومها البرجوازي الرأسمالي، يخصص فيها للمرأة دور التابع الخاضع لأن تغيير موقع المرأة هذا يهدد بخلخلة بنى المجتمع الرأسمالي المرتكز على الاستغلال الطبقي وعلى التوزيع النمطي للأدوار بين الجنسين داخل وخارج الأسرة أي اضطهاد النساء. إن استغلال الدين لمحاصرة القيم الإنسانية والمساواة بين البشر وبين المرأة والرجل بشكل خاص من مميزات الأنظمة الرجعية التي تستفيد من مجتمع يخضع نصفه لسلطة النصف الآخر وتخضع أغلبيته الساحقة لسلطة الرأسمال.

ويؤكد اتباع هذا الاتجاه الذى يرى أن النظام يستغل مسألة المرأة لتجميل صورته على أن حقوق المرأة لم تكن على أجنده النظام المغربى، ويشيرون إلى رفض النظام تغيير مدونة الأحوال الشخصية بين سنتي 1956 و1957 على الرغم من مطالبة بعض التنظيمات النسائية بتغييرها مباشرة بعد صدورها. وأن النظام أصر طوال العقود التالية على رفض أي تعديل لها وإحاطتها بهالة من القدسية ورفض المساس بها سواء بالانتقاد أو التعديل على الرغم من المشكلات التى واجهت النساء والأطفال.

أما الأسباب التى دفعت النظام للنظر فى الإصلاح القانونى فترجع وفقا لأنصار هذه الرؤية إلى ضغوط التنظيمات الديمقراطية التي التأمت في إطار مجلس التنسيق الوطني لتغيير مدونة الأحوال الشخصية ودفعت النظام عام 1992 إلى التعاطى مع المسألة ولكن بهدف تقييد هذه الجهود وهو ما استمر حتى عام 1999 حين طرحت من جديد مسألة مراجعة المدونة في إطار مشروع الخطة الوطنية لإدماج المرأة في التنمية. إلا أن التعامل الحقيقى مع المسألة يرتبط فى جزء منه بسياق إقليمي ودولى لم تطرح فيه مفاهيم محددة لحقوق المرأة كما نتعامل معها الآن إلا منذ سنوات، إلى جانب ما تمثله فترة وضع الدستور المغربى من مرحلة استقلال تتراجع فيها القضايا الأخرى لخلفية المشهد.. وبشكل عام قد نجد العديد من التفسيرات ولكنها ليست مبررات لاستمرار أوضاع التمييز ضد المرأة تحت أي مسمى.

 

أهم محاور التغيير فى قانون الأسرة

حلت مدونة الأسرة الجديدة محل مدونة الأحوال الشخصية التي كان تعديلها محل نقاش حاد في المملكة منذ سنوات عدة بين المحافظين لاسيما منهم الإسلاميين والمحدثين. وتضمنت المدونة نقاطا مهمة بشأن التطورات التي طرأت على حقوق الأسرة، وحصول المرأة على حقوق متساوية مع الرجل في المغرب ومن أهمها تكريس مبدأ "المساواة في الحقوق والواجبات" بين الزوجين والتخلي عن مبدأ "الرضوخ الأعمى للزوج". فالبند الأول من المدونة الذي يقر بأن الأسرة هي تحت رعاية الزوجين معا يعد فى حد ذاته تقدم كبير لأنه يجعل الزوج والزوجة على قدم المساواة فيما يخص المسؤولية ويعطي للمرأة مكانتها الحقيقية داخل الأسرة.

كما تضمنت المدونة الجديدة بنودا بدت لجميع المراقبين متقدمة جدا لأنها تقدم تصورا جديدا للأسرة التي أضحت تحت رعاية الزوجين معا مما قد يفتح النقاش على مصراعيه حول مسألة القوامة في الشريعة الإسلامية كما أن مسألة ولاية الرجل في الزواج أضحت لاغية بالنسبة للمرأة الرشيدة وإن ظلت المسألة قائمة بالنسبة للفتاة القاصر. فالبنت الرشيدة أصبحت مثلها مثل الفتى الراشد يزوجان أنفسهما بدون حاجة إلى ولي إلا إذا اختارت البنت الرشيدة غير ذلك بمعنى أنه وضعت لها إمكانية الاختيار يمكن أن تختار والدها وأن تختار غيره من أقارب ليزوجها. والنص على شروط قاسية لتعدد الزوجات والتطليق ورفع السن القانوني للزواج للمرأة إلى 18 عاما بعد أن كان 15 عاما.

ويحد النص بشكل صارم إمكانية تطليق النساء بمنعه "التطليق بالثلاث" المتعامل به كثيرا ليخضع هذه العادة إلى قرار قضائي حيث حظر التطليق الشفهي الشائع في المغرب. واشترط القانون الحصول على موافقة مسبقة من المحكمة للتطليق.

ولم تلغ المدونة ظاهرة تعدد الزوجات بل أدخلت عليها تقييدات كبيرة حيث سيكون بإمكان المرأة أن تشترط من زوجها قبل أن تتزوجه أن لا يقترن بزوجة ثانية. وقد اصبح للمرأة حق أن تشترط عند الزواج تعهدا من زوجها بعد الزواج من امرأة ثانية. ورغم أن مسألة تعدد الزوجات في المغرب لا تتجاوز 5% فقد اعتبرها الكثيرون من أهم النقاط الشائكة حيث ينص القانون الجديد على ألا تتم عملية التعدد إلا بعد رضا الزوجة الأولى وهو ما زاد من مخاوف التيار الإسلامي من السقوط بصورة هادئة في نزعة تغريبية على شاكلة التجربة التونسية وذلك بالرغم من أن الإحصائيات تؤكد وجود 35% من النساء المغربيات اللائى يحملن شهادات عليا نصفهن عازفات عن الزواج أو لم يجدن الزوج المناسب.

وينص القانون على أن زواج الرجل من امرأة ثانية يبرر طلب المرأة الطلاق بسبب "الضرر" الذي تعرضت له. كما يقضي بان يكون الطلاق "بموافقة الطرفين". ويقدم النص ضمانة جديدة للزوجات في حال الانفصال مع إمكانية إبرام عقد لتقاسم الممتلكات التي تم جمعها خلال سنوات الزواج. كما نص "قانون الأسرة" على حقوق جديدة لحماية الأطفال وخصوصا حق الحضانة للمرأة والاعتراف بالأبوة للأطفال الذين يولدون خارج إطار الزواج ودور اكبر للقضاء.

ورغم ذلك ارتبط القانون الجديد بإثارة مجموعة من المخاوف وتحديدا الخوف من تزايد حالات الطلاق التي تمتلئ بها المحاكم الشرعية والمدنية المغربية، والتى قد تزداد وتيرتها مع تنفيذ القانون الجديد لا سيما في ظل تراجع معدلات الدخل الفردي للمواطن إلى جانب سيادة الثقافة التقليدية في المجتمع وانتشار الأمية بين النساء، ربما كانت مطالب الحركات النسائية في المغرب كثيرة ومتعددة وربما أيضا تكون مدونة الأحوال الشخصية في صيغتها الحالية قد استجابت لبعض هذه المطالب ومع ذلك يبقى الرهان معلقا حول مجتمع مغربي ديمقراطي حدثي لا مكانة فيه للفوارق الاجتماعية أو الجنسية.

ووفقا للتعديلات يتم تشكيل هيئة قضائية جديدة هي محاكم الأسرة لتطبيق القانون الجديد. وعقب إعلان الملك محمد السادس عن القانون طالب وزير العدل بالإسراع في إيجاد مقرات لائقة بقضاء الأسرة في مختلف المحاكم المغربية، والعناية بتكوين عناصر مؤهلة لممارسة السلطة الموكولة إليها في هذا الشأن. كما طلب في رسالة وجهها فى 13 أكتوبر 2003 إلى وزير العدل أن يرفع إليه اقتراحات بشأن تكوين لجنة من ذوي الاختصاص لإعداد دليل عملى يتضمن مختلف الأحكام والنصوص والإجراءات المتعلقة بقضاء الأسرة ليكون مرجعاً موحداً. وشدد العاهل المغربي على دعم قانون الأسرة وعلى توفير كل الشروط الكفيلة بتفعيله على اكمل وجه في القريب العاجل، معتبراً أن ذلك سيظل رهيناً بإيجاد قضاء أسري عادل وعصري وفعال. وأكد على أن جوانب القصور والخلل لا ترجع فقط إلى بعض بنود المدونة الحالية، ولكن إلى انعدام قضاء أسري مؤهل مادياً وبشرياً ومسطرياً لتوفير كل شروط العدل والإنصاف مع السرعة في النظر في القضايا التي هي من اختصاصه والتعجيل في تنفيذها. وأعرب العاهل المغربي عن حرصه على ترسيخ مقومات أسرة مغربية وفية لقيمها وأصالتها، منفتحة على عصرها في كنف العدل والمساواة والتضامن.

ومن جانبه صادق مجلس النواب المغربي (الغرفة الأولى للبرلمان) بالإجماع على المشروع في 16 ديسمبر 2003 وادخل عليه بعض التوضيحات "اللغوية والمتعلقة بالمصطلحات" لكن من دون تعديلات جوهرية على نص المشروع الملكي. وذلك بعد جلسة استمرت لأكثر من خمس ساعات. وذلك بعد أن قبلت الحكومة نحو 62 تعديلا تقدمت بها الفرق النيابية من اصل 162 مقترحا لإدخال تعديلات على مواد القانون الأربعمائة. وأجمعت الفرق النيابية على أهمية قانون الأسرة ووصفته بالثورة الاجتماعية وأكدت على أنه سيصبح نموذجا يحتذى في العالم العربي والإسلامي لكونه جمع بين الأصالة المغربية والمرجعية الإسلامية والانفتاح على قيم الحداثة.  وفى 23 يناير 2004 صادق مجلس المستشارين المغربي بالإجماع في الرباط على مدونة الأسرة في صيغتها المحدثة التي تدخل إصلاحات عميقة على وضع المرأة في المغرب.

وفى 4 فبراير 2004 استقبل الملك محمد السادس في القصر الملكي في الرباط، رئيسي مجلسي النواب والمستشارين (البرلمان)، اللذين سلماه قانون مدونة الأسرة بعد مصادقة البرلمان عليه بالإجماع، وأكد أن المغرب يسعى لتفعيل قانون الأسرة الجديد كأداة لتحقيق الحداثة والتنمية الشاملة. وقال الملك محمد السادس بالمناسبة "إننا بحرصنا على أن نتسلم من رئيسي مجلسي البرلمان مدونة الأسرة إنما نؤكد التزامنا الثابت بالقيم المؤسسة لهذا القانون، الذي يدخل سجل تاريخ المغرب، ليس فقط باعتباره لبنة جوهرية في بناء مجتمعنا الديمقراطي الحداثي، وإنما أيضا لأننا جسدنا به التكامل بين المرجعية الإسلامية والكونية القائمتين على مبادئ الحرية والمساواة والإنصاف والتضامن".

وأضاف العاهل المغربي أنه "من خلال هذا العمل الرائد ساهم فيما يتعين على الأمة الإسلامية القيام به من أجل تصحيح صورة الإسلام السمحة مما لحقها من تشويه وتطرف، مؤكدين قدرة العقل الإسلامي على الانسجام مع الحداثة". وأضاف أنه منذ توليه حكم المغرب جعل في صدارة سياسته إيجاد مدونة حديثة للأسرة بهذه المواصفات والمرجعيات وفي خضم تيارات مختلفة، وتمكن من إنجازها بما تتضمنه من إنصاف للمرأة، وحماية لحقوق الأطفال، وصيانة لكرامة الرجل. وجدد التأكيد على أنها مكسب للمغاربة جميعا منوها بإجماع كل ممثلي الأمة ومكوناتها عليها ضمن نقاش ديمقراطي مسؤول. وأنه مهما تكن أهمية المكاسب المحققة، "فإننا لن ندخر جهدا لتفعيلها على الوجه الأمثل، من خلال قضاء مؤهل ومستقل وفعال ومنصف، وبواسطة كافة المنابر والهيئات لتحسيس عامة الشعب بها ليس باعتبارها مكسبا للمرأة وحدها، بل بكونها دعامة للأسرة المغربية المتوازنة المتشبعة بها ثقافة وممارسة وسلوكا تلقائيا".

وأعرب الملك محمد السادس عن عزمه على أن يوفر الظروف الملائمة لتفعيل قانون الأسرة، ليس فقط وسائلها المادية والبشرية وآلياتها القانونية، وإنما بالمضي قدما في إنجاز التنمية الشاملة، وتشجيع العمل الميداني الملموس، للنهوض الفعلي بأوضاع الأسرة، وتحرير كل الطاقات للعمل الجماعي لتوطيد دعائم مغرب ديمقراطي وعصري. وأكد تصميمه على المضي قدما في هذا النهج الإصلاحي القويم لتحقيق المزيد من المكاسب على درب جعل المرأة والرجل شقائق في حقوق وواجبات الإنسان، والمواطنة المسؤولة.

 

ردود الفعل على قانون الأسرة الجديد

أثار الإعلان عن مشروع المدونة الجديدة نقاشا إيجابيا خصبا أجمعت من خلاله كل المكونات السياسية والثقافية والحقوقية المغربية على فرادة هذه الخطوة والترحيب بها بالنظر لما توفره مقتضياتها للمرأة والطفل والأسرة عموما من ضمانات جديدة وقوية في ظل احترام كامل للشريعة الإسلامية. وتجاوز الترحيب بالمدونة الجديدة الحدود الوطنية حيث عبرت أصوات عديدة عبر العالم وخاصة من العالم الإسلامي عن استحسانها لهذه المبادرة التي تؤكد أن الرقي بالمجتمع الإسلامي يتحقق انطلاقا من احترام مقتضيات الشريعة الإسلامية.

وعبرت العديد من ردود الفعل العربية والإسلامية عن الإنجاز الذى حققته التجربة المغربية، ورأت كثير من الحركات النسائية والسياسية العربية في هذه التجربة مثالا يحتذى لحل الإشكاليات ذاتها في أقطار عربية وإسلامية أخرى. وعلى الصعيد الدولي اعتبرت المدونة الجديدة خطوة متميزة في المنطقة خصوصا وأنها جاءت ثمرة توافق كبير بين مختلف مكونات المجتمع المغربي ونتيجة حركية مجتمعية إرادية احتضنتها ورش إصلاحية واسعة دشنها الملك محمد السادس.

وإضافة إلى الارتياح الذي خلفه مضمون المدونة الجديدة فقد أثار قرار جلالة الملك بعرض مشروع المدونة على أنظار البرلمان إعجابا في أوساط المتتبعين للشأن السياسي إذ رأوا فيه إشارة إلى حرصه على تعزيز دور المؤسسة التشريعية كونها المرة الأولى التى يطرح فيها القانون على أنظار البرلمانيين بعد تبني العاهل المغربي الملك محمد السادس للإصلاحات التي عرفتها اللجنة الملكية الاستشارية. وأكد العديد من المراقبين على أن قانون الأسرة الجديد يعد من أهم المبادرات التي قام بها العاهل المغربي الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش في مجال التحول الاجتماعي.

واعتبر وزير العدل محمد بوزوبع بمناسبة المدونة أن "التاريخ سجل للمغرب هذه اللحظة التي نؤسس فيها جميعا القواعد التي يجب أن تحكم الأسرة في جو من التراضي والتوافق والمودة والاحترام والتكامل في الأدوار والمسؤوليات". وأضاف "أن منع تعدد الزوجات اصبح هو المبدأ والسماح به اصبح استثناء". واصبح إقدام الزوج على التعاقد مع زوجة ثانية مبررا يتيح للمرأة أن تطالب بالطلاق بحجة أنها "تتعرض لضرر" كما جاء في المدونة التي تنص أيضا على الطلاق القائم على "الموافقة المشتركة". ومن جانبه أكد إدريس لشكر رئيس فريق الاتحاد الاشتراكي بمجلس النواب (مشارك في الحكومة) على استجابة القانون والخطاب الملكى الذى تم فيه الإعلان عنه بمثابة استجابة لمجموعة من القضايا التي كانت مطروحة من طرف مختلف شرائح المجتمع المغربي، وأنه حمل المعاني الكاملة للعدالة بين أفراد المجتمع سواء بين الطفل والمرأة والرجل. واعتبر مضمون الخطاب الملكي قفزة نوعية على المستوى القانوني والاجتماعي والسياسي لتحديث المجتمع وضمان إقامة علائق متوازنة وعادلة بين مختلف شرائحه من دون تمييز بسبب الجنس.

ولان مشاهد العنف الجسدي والنفسي الممارس ضد النساء وتعدد حالات الزواج وارتفاع معدلات الطلاق وضياع الأطفال شكلت صورا يومية تعرضها الجمعيات النسائية الإسلامية أو المحسوبة على التيار العلماني، ولسان الحال كان وما يزال يقول إلى متى يمكن الحديث عن مجتمع مغربي عادل يقوم على المساواة؟ فان السؤال الأساسي لا يرتبط فقط بقانون تم تغييره بقدر ما يرتبط بإشكالية الثقافة، فالنص القانوني بمفرده لا يمكن أن يغير الواقع الاجتماعي إلا انه يضع الأساس لبداية التغيير الذى يحتاج بدوره إلى استمرار دفاع النساء عن حقوقهن.

 

الإسلاميون وقانون الأسرة

عرف المغرب خلال العقود الفائتة سجالا سياسيا وفقهيا أمتد لأزيد من ثلاثة عقود كاملة حول تعديل قانون الأحوال الشخصية وخاصة منه ما تعلق ببنود الزواج والطلاق ووصاية الرجل على المرأة وأخذ السجال منحى سياسيا أكثر من اللازم إلى أن تدخلت الإرادة الملكية وحسمت الأمور بدعوة البرلمان للمصادقة على قانون جديد للأسرة يتضمن النقاط الخلافية السابقة بين الجمعيات ويضيف إليها أشياء جديدة وهو ما خلف ارتياحا لدى كافة الفرقاء السياسيين. وظل الجدل على مستند بالأساس على فكرة مدى اتساق القانون الجديد مع الشريعة الإسلامية، فان وضع القانون الجديد فى السياق الشرعى وربطه بدور ومسئولية الملك المنبثقة من كونه أمير المؤمنين وينتمى للرسول (ص) مثل جزء أساسي من الخطاب الدائر حول القانون على الأقل بين الملك والإسلاميين وجزء من الرأي العام.

أكد الملك محمد السادس فى خطابه أمام البرلمان على ان الإصلاحات "يجب إلا ينظر إليها على أنها انتصار لمعسكر على آخر بل إنجاز يعود بالفائدة على كل المغاربة". وأكد أن مبادئ الإسلام احترمت بحرفيتها في إعداد القانون الجديد. قائلا "لا أستطيع بصفتي آمر المؤمنين السماح بما حرمه الله ولا منع ما سمح به الله". وكادت الخلافات حول تصور الإسلاميين واليساريين للتعديلات المقترحة أن تقسم الشارع المغربي، لكن بعد تدخل العاهل المغربي ساندت كافة الهيئات السياسية المغربية القانون لدرجة أنه حظى بإجماع البرلمان. وشدد على أن مدونة الأسرة الجديدة تستجيب لمبادئ ومرجعيات منها على الخصوص "الأخذ بمقاصد الإسلام السمحة في تكريم الإنسان والعدل والمساواة والمعاشرة بالمعروف وبوحدة المذهب المالكي والاجتهاد الذي يجعل الإسلام صالحا لكل زمان ومكان لوضع مدونة عصرية منسجمة مع ديننا الحنيف". كما أكد خلال إعلانه للمدونة على أن أهمية المشروع تبرز من خلال قدرته على الجمع بين المحافظة على ثوابت الشريعة الإسلامية والأخذ في الاعتبار للتغيرات الاجتماعية وقال "لا أستطيع بصفتي أمير المؤمنين أن احلل ما حرمه الله واحرم ما احله".

ومن جانبه أعرب حزب العدالة والتنمية (أصولي معارض) عن ترحيبه وتأييده لفحوى الخطاب الذي ألقاه العاهل المغربي في افتتاح البرلمان حول إصلاح مدونة الأحوال الشخصية. ووصف حزب العدالة والتنمية في بيان أصدره فى اليوم التالى لبيان الملك مشروع المدونة بأنه إصلاحي رائد في صالح الأسرة والمرأة، ومكسب نوعي للشعب المغربي قاطبة. وركز مصطفى الرميد رئيس فريق العدالة والتنمية فى كلمته أمام مجلس النواب على ما ذكره الملك فى خطابه من انه كأمير للمؤمنين لا يمكن أن يحل ما حرمه الله أو يحرم ما احل، واعتبر بناء على هذا أن للاقتراحات الملكية جذورا في الاجتهاد من منطلق الأحكام الشرعية ومقاصد الشريعة التي تستهدف رفع الظلم والحيف. واعتبر أن الخطاب الملكي قدم مقاربة شمولية للموضوع يرمي إلى رفع الحيف عن المرأة وصيانة كرامة الرجل، مشيرا إلى أن العاهل المغربي الملك محمد السادس أراد في إطار قاعدة "شاورهم في الأمر" إشراك المؤسسة التشريعية قصد التدبير في مضامين المدونة الجديدة. وأكد الرميد أن فريقه مبدئيا سيكون مع مضامين ومقتضيات المدونة الجديدة، وسيقوم بدراسة وافية لها لتبقى تفاصيلها محط نقاش كما جرت العادة في كل مشروع قانوني يعرض على البرلمان.

أما جماعة العدل والإحسان المحظورة فرأت في المبادرة لتغيير قانون الأحوال الشخصية مجرد استجابة مباشرة للضغوط الأميركية على المغرب من أجل الانتصار للقيم الغربية في المجتمع المغربي على حساب الهوية الإسلامية المتجذره على مدى أكثر من ثلاثة عشر قرنا بل إن الجماعة ذهبت أكثر من ذلك لتشكك في وجود وصدقية الجمعيات النسائية. وأكدت نادية ياسين الناطقة باسم الجماعة على عدم رضاءها على التعديلات، ورغم أنها أكدت على ان هذه التعديلات لم تتجاوز المذهب المالكى المعمول به فى المغرب إلا أنها اعتبرت انه سيؤدى إلى تعقد مشكلة المرأة وليس حلها كونها رؤى حالمة على حد تعبيرها. وتعتبر السيدة ياسين نفسها مناضلة اجتماعية من الصوفيين الجدد وترفض كلمة نسوية (نصرة المرأة) إذ ترى فيها نزعة انتقامية قوية. وتعترف بأن قرار التظاهر في العام 2000 ضد الإصلاحات شكل خطأ تكتيكياً وكان حركة سياسية الغرض منها إظهار قوة الإسلاميين. مؤكدة اعتراض الجماعة على حركة الإصلاح لأنها انبثقت عن مؤتمر بيكين، ولأنها فرضت علينا من الخارج. وكتب والدها الشيخ أحمد ياسين مؤسس الجماعة البالغ من العمر 76 عاماً أن المطلوب هو "أسلمة الحداثة وليس تحديث الإسلام".

وتؤكد نادية ياسين على أن النبي محمد كان يؤيد حقوق المرأة غير أن أنصار المساواة بين الرجل والمرأة في المغرب "كثيرا ما ينتمون إلى النخبة الذين يرغبون في إضفاء طابع غربي على البلاد بدون البحث عن حلول داخل ثقافتهم الخاصة". وتقول نادية إن الإصلاح طرح "للتماشي مع الغرب" ولن يؤثر على حياة شريحة كبيرة من النساء المغاربة نظرا لان الحكومة لا تسعى لمعالجة مشكلاتهن الأساسية وهي الفقر والجهل. وتعتقد الكثير من النساء في أن المحاكم المغربية فاسدة ولا يمكن أن تفرض القوانين الجديدة على الرجال الذين يرفضون تنفذيها. وتعارض بعض النساء أيضا الحظر على الممارسات التقليدية مثل تعدد الزوجات وتقول إحدى السيدات إن "الإسلام يسمح بتعدد الزوجات وحتى لو كنت أنا نفسي لن أكون سعيدة إذا تزوج علي زوجي".

ومن جانبه أكد عبد السلام بلاجي عضو جمعية الإصلاح والتجديد الإسلامية أن الإصلاحات الجديدة في مدونة الأسرة أخذت بالقرآن والسُنة، وأكد على ذلك أيضا بالإشارة إلى حديث الملك وتقديمه للتعديلات أمام البرلمان مستندة إلى أصولها التشريعية من قرآن وسنة واجتهاد وإلى غير ذلك، في المسألة الثانية مسألة الاجتهاد ويدخل ضمنه العرف والمصالح المرسلة هنا نُدخِل يمكن أن ندخل الاتفاقيات الدولية التي أبرمها المغرب وصادق عليها فهي أصبحت جزءا من العرف والمصالح المرسلة التي أخذها المغرب بعين الاعتبار وبطبيعة الحال ما يتنافى مع مرجعيته التي نص عليها الدستور يتحفظوا عليها.

وبشكل عام أكدت بعض الأصوات على أن المدونة لم تخرج عن سياق الشريعة الإسلامية ومقاصد الشريعة الإسلامية وأنها على العكس من ذلك ذهبت إلى عمق الشريعة الإسلامية بما فيها المبادئ التي جاءت لإنصاف المرأة وإكرام الرجل والطفل بما يمثل غاية الشريعة الإسلامية ومقصدها. فى حين اعتبر البعض أن ميزة القانون الجديد هو أنه ضم القضايا الكبرى للمرأة المعضلة الأكبر للأسرة المغربية التي تعيش حالة من التوزع بين مرجعية الإسلامية ومظهرية الحداثة وأن هذه الأسرة أضحت بحاجة إلى رؤية دينية وثقافية مخالفة لما هو سائد بل وقادرة على طرح البدائل بطريقة لا تثير حفيظة لا هاتي الجهة ولا تلك وهو ما تحقق فعلا.

 

مواقف النساء المغربيات من القانون

أثارت مدونة المرأة جدلا واسعا ما بين رأي قائل أنها محاولة لصنع توازن بين الرجل والمرأة في مسؤوليات إدارة شؤون الأسرة ورعاية مكوناتها، بينما يراها البعض نوعا من النزوع التغريبي والرضوخ للضغوط الأميركية. وفى حين يرى البعض أنها ستؤدى لتُعقِد الأمور بشكل أكبر، فأن البعض يراها خطوة متقدمة تعطي المرأة مكانتها الحقيقية في إطار الشريعة الإسلامية. وبالمقابل يؤكد رأى ثالث على أن المدونة لم تحقق الكثير من مطالب المرأة المغربية وأنها لا تعدو تغييرات شكلية أو هامشية لن تخرج النساء من وضع التبعية والتمييز ولكن قد تساهم في رفع شيء من المعاناة عنهن.

وبناء على هذه الرؤى السابقة عارضت بعض النساء المغربيات المتعلمات الإصلاح الذى هدف إلى زيادة حقوق المرأة المغربية وفقا لما قررته الحكومة، وشكك البعض الأخر فى جدواه مؤكدين على أن المشكلة الأساسية تتمثل فى عدم التزام الرجال فعليا بالقوانين الجديدة. وعلى الجانب الأخر من الصورة التى تتراوح بين التأييد والتشكيك على أسس الحقوق فان البعض الأخر رفض الإصلاحات كونها تتشابه مع النظم الغربية ولا تتلاءم مع ما يجب أن يتم الأخذ به لدى المرأة المسلمة فى بلد تشهد وجود إسلامي قوى وقف حائلا أمام تغيير القوانين ولم يحدث تغير فى مواقفه إلا بعد تفجيرات 16 مايو 2003.

وكان الإعلان عن التعديلات، التي وصفت بالجوهرية والثورية في الوقت نفسه، بمثابة وضع حد لحديث طالما شكل بؤرة توتر بين عديد من المكونات المدنية والسياسية للمجتمع المغربي. وهو ما يمكن إدراكه عبر بعض التعليقات لمجموعة من النساء المغربيات المهتمات بوضع المرأة المغربية فمن جانبها قالت عائشة إيش-شانا رئيسة رابطة التضامن النسائية التي تساعد الأمهات غير المتزوجات إن "التشريع الإصلاحي يخترق المحرمات ويعترف بحق الأطفال الذين يولدون خارج رابطة الزواج للمرة الأولى". فى حين شددت ليلى رحيوي من الرابطة النسائية الديمقراطية للنساء المغربيات على أن "القانون سيساهم في إحداث تغيير في العقليات". وأكدت على ضرورة توصيل أفكار الإصلاح إلى الآخرين خاصة في المناطق الريفية على أساس أن النساء الريفيات لديهن معرفة ضئيلة للغاية بشأن نص التشريع.

وعلى الرغم من الجدل الذى يبنى البعض انتقاداتهم للقانون الجديد على أساسه فانه جاء نابعا من حاجة أساسية ومجتمعية لعل أحد الأشكال التى عبرت عنها تمثلت فى المحكمة الرمزية التى تعقدها جمعية اتحاد العمل النسائى باسم محكمة النساء. فجمعية اتحاد العمل النسائي في الرباط تعقد كل عام  كل عام "محكمة للنساء" رمزية تعتبر الأولى من نوعها عربيا، وتطرح فيها قضايا المرأة عامة، قضائية وقانونية وعائلية واجتماعية، من خلال شهادات حية مستقاة من قلب الواقع المعاش بكل أهواله حيث وتأتى النساء من كافة أنحاء المغرب للمشاركة بمشكلاتهم وعرض شهاداتهم أمام المحكمة.

وفى يناير 2003 عقدت المحكمة دورتها السابعة تحت شعار: "أريد حلا" من اجل المطالبة بتغيير مدونة الأحوال الشخصية. واعتبرت لطيفة اجبابدي، رئيسة اتحاد العمل النسائي، ان عقد محكمة النساء السابعة عشية انتهاء اللجنة الاستشارية المكلفة بمراجعة مدونة الأحوال الشخصية، يمثل دعوة للارتقاء بمقاربة الإصلاح والتجاوز عن الخلافات والرهانات، والتخندقات السياسية والفكرية والمذهبية، والبحث عن الحلول الملموسة العادلة، والمنصفة لمشكلات تهز أركان العديد من الأسر المغربية، وتقوض تماسكها واستقرارها، وتتهدد المجتمع بتحلل بنيانه الأساسي، وتفاقم مظاهر العنف والتفكك والتشرد والفقر".

واعتبرت لطيفة اجبابدي أن "أريد حلا"، هي صرخة آلاف النساء والأطفال والأسر، التي تصيح عاليا، أو تستنجد بمرارة "كفى جورا! كفى حيفا! كفى استهتارا بمصائرنا وسلامتنا، وكرامتنا وحقوقنا الأساسية، التي يكفلها ديننا الحنيف، وكل المواثيق الدولية وقيمنا". مؤكدة على ان المطلوب للمرأة المغربية هو إيجاد مدونة تكرس المساواة والعدل، والتكافل والمودة والرحمة، والاحترام المتبادل والمسؤولية المشتركة وتضمن الحماية والسلامة الإنسانية والكرامة والحقوق الأساسية للأفراد.

وتساءلت لطيفة اجبابدي بحسرة: "أين نحن من الإمساك بمعروف أو التسريح بإحسان؟ وأين نحن من المودة والرحمة كأساس للعلاقة بين الزوجين؟" وتذكر لطيفة الرجال بقول الله عز وجل: ( لا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة وتلك حدود الله ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه) (صدق الله العظيم)-الطلاق/1. وأكدت أن طرد الحاضنات وأطفالهن، وصمة عار لا يقبلها ديننا الحنيف، ولا قيم الإنسانية جمعاء، ولا مبادئ التآزر والتكافل الاجتماعي، التي هي من صميم تقاليدنا. وطالبت بإنهاء الحالة المغربية التى وصفتها "بالشاذة" في العالم العربي والعالم الإسلامي، اللذين تقر قوانين اغلب الدول فيهما بحق الطليقة والأطفال، في البقاء في بيت الأسرة".

وقد انتقد القانون القديم المعروف باسم قانون الأسرة لما يؤدى إليه من تهميش للنساء المطلقات وأطفالهن في غيبة قضاياهن وتحولها لمجرد أرقام وملفات في رفوف المحاكم. وما تؤدى إليه النصوص القانونية التي لا تتضمن الحلول الناجعة، وتكرس المزيد من الظلم في حق النساء، خاصة فى ظل طول الإجراءات وتعقيدها. إلى جانب انتقاد عدم إثبات أحقية الزوجة فى مسكن الزوجية بما يجعلها عرضة للاعتداء، أو الطرد من البيت الذي بنته لا لشيء إلا لأنها لا تشترط وضع اسمها في عقد بناء أو شراء العقار إلى جانب اسم زوجها، الذي قد يتنكر لها، ولا تجد أي وسيلة لإثبات حقها أمام القاضي. وظلت المطالبات تؤكد على أهمية وجود قانون ينظر بعين العدل إلى جميع أفراد الاسرة، ويحمي حقوقهم من الاغتصاب.

وتم تتويج مداولات "محكمة النساء" بإصدار "نص الحكم" الذي استعرض كل الحيثيات، المتعلقة بالحياة الزوجية والعائلية. وخلص النص إلى ضرورة "دسترة حقوق الأسرة" والقيام بمراجعة شاملة للترسانة القانونية، الخاصة بمدونة الأحوال الشخصية لإشاعة قيم العدل والإنصاف بين جميع أفراد الأسرة.  وركز "نص الحكم" على أهمية وضع قرار الطلاق في يد القاضي، وضمان المساواة في طلبه بين طرفي العلاقة الزوجية. والمطالبة بإنشاء "صندوق وطني للنفقة" لمصلحة الزوجة أو المطلقة، وتعديل النص الخاص بأسباب سقوط الحضانة، وتبسيط جميع المساطر والإجراءات لحماية الحقوق. ورفعت هيئة المحكمة الرمزية المكونة من (16) عضوا، نسخة نص الحكم إلى اللجنة الملكية الاستشارية المكلفة بالنظر في مدونة الأحوال الشخصية والى كل الدوائر الرسمية.